الخميس، 8 سبتمبر 2016

سوق المواسير .... عملية تجفيف إقتصادية ممنهجة (2-----2)


بعد  الفشل الذي لازم تسديد التزامات المتعاملين في سوق المواسير ، خرج مواطنو  مدينة الفاشر- إقليم شمال دارفور في تظاهرة إحتجاجية تحدد مسارها نحو مقر سكن حاكم الإقليم ،عثمان محمد يوسف كبر،  يطلق سكان مدينة الفاشر(مقر إقامته) في سخرية مغلوب علي أمرها (بالعيادة المحولة) .
 ذلك لأن الأعمال المرتبطة بالدولة يفضل الحاكم أن يؤديها من هنالك بدلاً من مكتبه ، للأمانة الرجل حتي لو (اختلفنا معه )  مشهود له بذكاء يتسق وفلسفة (برنامج المشروع الحضاري) فقد  قصد من تسير أمور الإقليم من (مقر سكنه) السيطرة  المحكمة علي أعضاء حكومته  ( دستورين و عضوية الحزب) بوضعهم علي مسافة متساوية  ، لينجح في أن يصبح هو المحور الذي يدورون حوله و يبذلون قصاري جهدهم لنيل رضائه ، فيستوي في غرفة الإستقبال  حاملي الملفات من (الوزراء – و قيادات الحزب – وناقلي الأخبار )  هدف اَخر يطل من تحت السطور هو تنميطهم بالدونية حين يجبرون جميعاَ علي دلق ماء وجوههم بعبارات الثناء والطاعة له في مشهد مفتوح  ، ليصبح الجميع (شركاء) في التمثيل و التملق  و (شركاء ) في مقاعد (الدرجة الشعبية) فالأسرار مفضوحة ، و التعنيف لا يمكن مقابلته سوي ب ( أعفي لي يا سعادة الوالي)   .
واجهت السلطات إحتجاجات  ضحايا سوق المواسير السلمية ،  بالعنف المفرط حيث تم توجيه الرصاص الحي الي صدور المحتجين سلمياَ في وحشية ، فسقط أربعة مدنيين  و جرح نحو خمسين اَخرين ، جميعهم سقطوا قبل الوصول الي وجهتهم نحو(  العيادة المحولة) حيث كان حسنهم  أن يجيب الحاكم علي سؤال من صلب مسئولياته ما هو مصير أموالهم ؟   لتتفتق الذاكرة الشعبية الساخرة المثقلة بالحزن  و غلبة الحال الي تسمية  مقر إقامته هذه المرة ب(باب العزيزية) .
إنتقلت الخطة الي الجانب القانوي، حيث تدخلت وزارة العدل بتكوين لجان قانونية ، للأشراف علي تدوين البلاغات من المتضررين ،و التي بلغت جملتها 34000 ، برع المستشارين في تكييف التعامل الذي شاب سوق المواسير بأنه  (أثراء بلا سبب)  و يلزم القانون بالمتعاملين (بالتحلل) ، وهو أعادة المال محل التعامل الي قيمته الحقيقية أو (قيمة رأس المال الأول  ) ،  و أسقاط الفوائد التي نتجت من دورات التعامل داخل السوق ، لم يتم الأمر بسلاسة بل أصبحت سلطة القانون تهدد بإجراءات لاحقة للذين لم يستجيبوا للتوجيهات لينتهي الجميع الي الخضوع (إحتكام الضحايا الي عدالة الجلاد )
خوفاً من تجدد الأحتجاجات ، مضت خطة فيما يمكن وصفه ببيع الوعود للمتضررين وشراء الوقت، لتهدئة الأمر و حمل المتضررين علي تصديق أن ما حدث لهم يجب أن يخزن في (ذاكرة النسيان) .
  تم إختبار نجاح خطة التهدئة  بصرف الإستحقاقات للذين لم تتجاوز أصول أموالهم ال1000 جنيه سوداني ،  وهو مبلغ يوازي 100.2 دولار أمريكي (بالسعر الجاري في السوق الموزاية ، لتظل الفئات المتبقية من المتضررين يدغدغها الأمل في أن يحين دورها ، لتمر الأيام ، الشهور ، الأعوام و تظل أحداث جديدة أكثر قسوة جعلتهم يدورون في فلكها بعيداً عن التفكير في أموالهم .
كما دفع الأمر قطاع كبير من مواطني الإقليم الي عدم الإلتفات  الي ممارسة العمل السياسي ،أو عدم نشاط الحركات المسلحة المعارضة ، لينصب جل  تفكيرهم في الوضع الأقتصادي الجديد الذي أفرز نتائج كارثية مثل الإفلاس إقتصاديًا ،التفكك الإجتماعي و إرتفاع نسبة الأنفصال بين الأزواج ،  ظهور طبقة من بائعات الجنس اللائي كن يقبلن المقابل الضخم في شكل صكوك بنكية اَجله مقابل الجنس و لم يستطع هذه الطبقة في  تدوين بلاغات بمستحقاتهن  لأنهن لن  يستطعن إثبات مشروعية المقابل الذي قدمنه.
ماهي محصلة سوق المواسير؟  سؤال أجبنا علي جزئية منه في سياق العنوان و المقدمة لكن ما خفي أدهي و أمر ، فبتلك الخطة عرفت الحكومة حجم الأموال المتداولة في الإقليم ،و مصادرها و الشخصيات والمجموعات الأثنية المسيطرة علي النشاط الاقتصادي أو المتعاملة فيه ،  بصورة مجملة أدي ذلك إلي إتاحة الفرصة لها قراءة شاملة لمجمل إحداثيات الاقتصاد بالإقليم (قاعدة معلومات) كما يظهر أن أحد أهدافها  و محاولة إعادة توزيع إقتصاد السوق،  لكي تدفع مجموعات أخري من أثنيات ومن عضوية حزب المؤتمر الوطني للسيطرة علي  والنشاط الاقتصادي وتغير المشهد بكامله.
يثور سؤال هل نجحت الحكومة السودانية  في ما هدفت إليه  ؟ لا يمكن الإجابة بشكل قاطع لكن لكل جريمة نقطة ضعف ، فقد أستشعر المستهدفين بالخطة ، و استدعوا العقل مستندين علي خبرة تاريخية في التجارة العابرة للحدود،  بنقل أنشطتهم الي خارج السودان الي دول مثل : تشاد ، إفريقيا الوسطي ، جنوب السودان ، الصين، الأمارات العربية المتحدة، مصر، الكنغو ، أوغندا علي سبيل الأمثلة لا الحصر،  لتنفتح علي التجارة الدولية مراكمة خبرة جديدة و منضمة الي السوق العالمية التي تتعامل بالنقد الأجنبي.
كعادتها الحكومة السودانية في قصر نظرها ، ، فقد أنقلب السحر علي الساحر حيث فقدت الميزانية العامة العائد الكبير من حركة تلك  الأموال التي دفعت للعمل بالخارج ، لتداهمها الطامة الثانية بخروج 75% من عائدات النفط مع إنفصال جنوب السودان في 2010 بعد عام من كارثة (سوق المواسير).
الخلاصة لست مختصاَ في علم الإقتصاد لكن ما تم ارتكابه تحت مسمي سوق المواسير جريمة يمكن وصفها  ب(البلادة) في الإجرام ، فرؤوس الأموال التي تم تجفيفها من إقليم شمال دارفور كان يمكن لها أن تقلل الفجوة المتوقعة مع خروج عائدات النفط مع إنفصال الجنوب ، من ناحية ثانية ستربك حركة الاستثمار الأجنبي لأن دراسة السوق الاقتصادية تدور حول ( الإستقرار – الأمان- قلة المخاطر) .

سوق المواسير .... عملية تجفيف إقتصادية ممنهجة (1-----2)


منذ العام 2010 بدأت الحكومة السودانية التخطيط لعملية تجفيف إقتصادية ممنهجة , مستهدفة من خلالها أثنية الزغاوة بإقليم شمال  دارفور علي وجه التحديد  كمجموعة لها خبرة وأرث كبيرين  في  التجارة بشقيها المحلي و العابرة للحدودية  مع الدول المجاورة للإقليم ،حيث تزعم  الحكومة السودانية أنها الداعم الرئيسي للحركات المعارضة المسلحة ،   الا أن اثارها إمتدت لتشمل ضحايا اَخرين بنسب متفاوتة نتيجة للخطة المحكمة في الترويج لها من قبل الحكومة السودانية ممثلة في حكومة الإقليم  .
 تم تصميم فكرة سوق المواسير علي عملية  الأغراء بمضاعفة قيمة  محل التعامل ، حيث يمكن تعريفه قانوناً بالبيع الاًجل ، تضمن قيمته بصك مصرفي بقيمة مضاعفة من القيمة الحقيقية  لفترة زمنية  محددة ، ما يمكن ملاحظته أنه  في المقابل يقوم المشتري بأعاده بيع محل التعاقد بنقد بقيمة أقل من قيمته الحقيقية ، حيث يمكن وصف  التعامل اللاحق في اقتصاديات الكساد حسب  السوق المحلية ب(الكسر) وهو بيع بأقل من القيمة الحقيقة ، ظل محل التعامل يشمل كل أنواع الأموال المنقولة وغير المنقولة
لم يمض وقت طويل قبل أن تنهار فكرة السوق نتيجة  عجز المشترين الأساسين في السداد ، لتتكشف الحقائق المذهلة ، فقد بلغت جملة المتضررين ما يجاوز ال43000  وهو الرقم الذي أعلنته وزارة العدل لعدد البلاغات التي دونت في مضابطها، لكن في تقديري أن الرقم الحقيقي جاوز ذلك بكثير ، ووفقاً لوزارة العدل فإن جملة الأموال التي إنتظمت في السوق (900 تسعمائة مليار جنيه سوداني )
تم التخطيط لسوق المواسير بصورة محكمة من قبل الحكومة السودانية ، سأحاول أثبات ذلك عبر تتبع علاقة المؤسسين للسوق و علاقتهم بالحكومة ، ودور الحكومة السودانية في التخطيط ،  التعبئة و  الحماية.
حين قفزت فكرة سوق المواسير الي السطح ، ظهر خلفها ثلاثة ضباط صف من قوات الشرطة السودانية و هم عبد الخير منصور ، تم إلحاقه بالشرطة في سلك حفظة القراَن ليتولى مهام الإمامة بمسجد الشرطة بالفاشر، ليتدرج في رتب استثنائية الي أن وصل الي درجة النقيب في زمن وجيز جداً ، الأخرين ضابطا صف برتبة الرقيب و هما علي التوالي   (آدم إسماعيل إسحق) و(موسي صديق موسي),  أعضاء بحزب المؤتمر الوطني بولاية شمال دارفور ومرشحان عنه لدوائر المجلس التشريعي الولائي في الانتخابات السودانية للعام 2010.
ظل انخراطهم في عملية التجفيف الاقتصادية أو (سوق المواسير)  تتم علي مرأي ومسمع قيادة الشرطة في الوقت الذي تمنع فيه قوانين الشرطة علي رعاياها ممارسة التجارة أو حتي تكوين الشركات
- الربع الأول من العام 2010 اَي بعد  فترة وجيزة أعلن عن   إنهار السوق ، في تقديري أن توصيف تلك المرحلة يمكن تسميتها بإكتمال سحب الأرصدة المالية (النقدية والمنقولة)  من أيدي المستهدفين بالخطة ، ليظهر دور أخر للحكومة السودانية عندما  خاطب السيد والي ولاية شمال دارفور عثمان محمد يوسف كبر المتضررين  الذين تظاهروا احتجاجاً علي سلب أموالهم  مبتزاً إياهم ، بأن حل الأمر رهين  بالتصويت لصالح المؤتمر الوطني في الانتخابات  السودانية للعام   2010 ،  واصفا مؤسسي السوق ( بالأوفياء والمخلصين للمؤتمر الوطني وان شاء الله حقوقكم محفوظة وعلى مسؤوليتي بس أنتو الشجرة محل ما تلاقوها اسقوها كويس) في إشارة للشجرة الرمز الإنتخابي لحزب المؤتمر الوطني .
- لعبت بعض البنوك دوراً محوريا في التضليل الذي ساهم في نجاح الخطة ، فالبرغم من علمها من عدم وجود أرصدة مالية تتناسب  وتعاملات المؤسسين إلا أنها ظلت ترفد كل منهم بما يفوق ال ( أربعمائة ورقة شيك ) بشكل يومي ، شكل ذلك دافعاً لاستمرار السوق و ازدياد حركة المتعاملين فيه.
يظهر نفوذ  الإسلام السياسي في الدور الذي لعبه رجل الدين النقيب عبدالخير منصور الذي كان يهرع المصليين الي الصلاة خلفه لطلاوة صوته فهو حافظ مجيد ،فشكل ذلك ضامناً أخلاقياً ودينياً في لأذهان المواطنين للأنخراط فالرجل للأمانة كان يمشي في الأسواق وهو يرتدي جلبابه الأبيض غير مزهواً بالرتبة التي لم يحظ بها أقرانه من حفظة القراَن الكريم ، ليكشف جانباً أخر من أخطبوط الإسلام السياسي الذي يرتدي العمامة و يطيل اللحية لكنه يسبح بحمد الإسلام السياسي .

و يظهر وجه الإسلام السياسي  جلياً  في موقف حاكم شمال دارفور يوسف عثمان كبر بتشجيعه ومباركته لسوق المواسير وتزكيته وتمجيده لآدم إسماعيل مؤسس سوق المواسير حيث كان يلقبه برجل البر والإحسان.  

إستقرار دولة جنوب السودان .... الحلقة المفقودة


إعادة نشر للمقال سبق نشره في 2014 - 2016 لانه في تقديري يمثل قراءة لراهن الحال 
--------------








بالأمس القريب أعلن وزير العدل بدولة  جنوب السودان  وقف إجراءات محاكمة أربعة من قادة الحركة الشعبية , و مسؤولين سابقين شغلوا مناصب رفيعة بالدولة . بعد محاكمة عرفت إعلاميا بمحاكمة ( فاقان ورفاقه ) لضلوعهم في محاولة انقلابية  فاشلة  من ديسمبر الماضي . حسناً  من  أن تخطو حكومة جنوب السودان تلك الخطوة , لأن وقائع الحال أن مضي الامر قانونياً  قد لا يجد سنداً  للإدانة  لتتجه الأمور الي سيطرة السلطة السياسية علي السلطة القضائية  و الأملاء عليها , و هي خطوة كانت ستصيب سيادة حكم القانون في مقتل .  من ناحية ثانية و قف المحاكمة قد جنبت تاريخ الدولة الوليدة أثبات محاكمة انقلابية فاشلة في صفحات تاريخها لتمضي الي مصاف الدول التي سودت مثل هذه المحاولات بعض صفحاتها  بكل ما هو ملازم لصفة الدكتاتوريات من سوءات .
وبناء علي إعلان حسن النوايا و المصالحة العامة التي أعلنت عنها حكومة الجنوب ضمنا بأطلاق سراح (باقان ورفاقه ) .  يجب أن تتجه نحو مصالحة شاملة و حقيقية لا تستثني أحداً ، كما يجب أن تستصحب الأسباب التي قادت الي الصراع الأخير بين حكومة جنوب السودان و النائب السابق لرئيس دولة جنوب السودان د. رياك مشار وبقية أطراف النزاع  تصل الي تسوية شاملة  .  المصالحة الوطنية في هذه المرحلة لا أعتبرها مبادرة من قبل حكومة الجنوب بل هو واجب عليها لأن الظروف التي تعاني منها الدولة ستقود الي المزيد من المعاناة  وذلك  للاتي .
أولاً: دولة جنوب السودان تعتبر آخر دولة إنضمت للأسرة الدولية ، فهي بحكم الواقع دولة حديثة النشأة و عليها إحترام الإرادة الدولية في فض النزاعات سلمياً . و إستجابة لنداء الأسرة الدولية و حرصاً علي عدم الإنزلاق في حرب جديدة  .  فيكفي أن التاريخ يشهد أنها خاضت أطول حرب أهلية في تاريخ البشرية الحديث . فمن الخطأ أن يمضي ( جيل جديد ) أسهمت إتفاقية  السلام 2005  في نشؤه في محيط نسبيا بعيدا عن ذاكرة حياه أخري مليئة بالماَسي و المآلات المحزنة.
ثانباً: تعيش دولة جنوب السودان ظروف اقتصادية أجبرتها علي إعلان التقشف منذ العام 2012  بعد التوترات مع جارتها جمهورية السودان وإغلاق الخطأ الناقل  للبترول من قبل الأولي . و هي ظروف إنعكست سلبا لتضيف كم تراكمي علي القصور الحكومي في تقديم خدمات التعليم والصحة و الخدمات الأخرى  جانب اَخر السياسة المرتبطة بالمصالح عالمياً لا تزال تنظر بحسابات الخسارة للخط الناقل للبترول و هي قابلة للتغير تبعاً لماَلات الأحداث لكن لن يطول الإنتظار كثيراً.

ثالثاً : وهو  متعلق بالوضع الإقليمي حيث تشهد دولة أفريقيا الوسطي توترات أدت الي تدخل المجتمع الدولي و هي جارة ملاصقة ، العلاقة البينية مع جمهورية السودان رغم الجهود الظاهرية والزيارات المتبادلة بين رئيسي الدولتين لكن في حقيقة الأمر تشير الي خلاف ذلك .  فقد أعلنت دولة جنوب السودان عن قصف جهورية السودان لأراضيها في شهر  أبريل الجاري بجانب الاتهامات المبطنة  بدعمها للنائب السابق د رياك مشار  إتهامات لبعض الحركات المسلحة من دارفور بالمشاركة في شهر يناير بالمشاركة الي جانب حكومة السودان في منطقة بانيتو النفطية .
رابعاً: هو أن طبيعة نشوء دولة جنوب السودان جاءت بعد طريق طويل وشاق ، ففرح العالم كله لذلك الإنفصال الذي توج معنويا بمثابة الإستقلال .  لكن ظلت  الممارسة السياسية تتجه نحو دكتاتورية الحزب الواحد ، فلم تتاح فرصة لأحزاب المعارضة بالممارسة السياسية و هو أمر لم يكن متوقع منها ، علي الأقل من يعتبر أنه (  ظلم ) فمن باب أولي أن تترسخ داخله قيم العدالة تجاه الاخر ، و في تقديري أن تضييق المساحة السياسية  أنقلب وبالاً علي  الحزب الحاكم  فبدأ  التململ الذي  انتقل الي مآلات كارثية خصمت كثيرا من جميع الأطراف ؛ وخصمت من مكانة الدولة الوليدة التي كان ينتظر منها تقديم ( نموذج)  يحتذي به  في ظل ظروف  حظيت فيها بإهتمام و ترحيب الأسرة الدولية قاطبة .
لكي لا نقف عن حدود محاولة الإشارة الي الاسباب التي قادت الي الأزمة حسب تقديرنا المتواضع و الذي نفترض فيه مجافاة  الغلو و ترجيح الموضوعية . لذا يبقي لزاماً علينا أن ندلف الي متطلبات مسار المصالحة الوطنية لكي لا تدور في فلك محاولات تلامس ما ظهر من جبل الجليد وتهمل المسببات الرئيسية للوصول الي تسوية شاملة وسلام مستدام .
في إعتقادي أن ما يجري الآن هو نتاج لسيطرة (فلسفة)  إتفاقية السلام الشامل 2005 حيث أنها ركزت بشكل كبير علي وقف الحرب بين الشمال والجنوب في المليون ميل الذي إنشطر الي دولتين . وفي خطوة متقدمة وضمانا علي عدم العودة  لمربع الحرب تم تحصين الامر بالإستفتاء  كضمانة لنهاية سلمية للعلاقة بين الشمال والجنوب أن تعذر العيش في ظل حدود واحدة .
مضي الأمر عمليا  نحو بوابة الخروج الآمنة المفترضة بين الطرفين ، لكن لم يتم الإنتباه والنص علي ما بعد الخروج الأمن و ماهي المتطلبات؟؟ !  و لعله سؤال كبير وملح حيث أنه تحول غير سهل فهي تفترض إنفصال الجنوب و السير الي تكوين دولة مفترضة زينتها النوايا ؛ لكن لم تصاحبها إقتراحات عملية  تدفع الي ما هو المطلوب بعد الانفصال و اعلان الدولة الجديدة ؟؟!  في رأي الخاص أن المطلوبات كثيرة لكن سأكتفي بالإشارة إليها مجملا بإنها مرحلة إنتقالية  تتطلب برامج تدفع بها نحو إستقرار يلامس جذور الأزمة و الخص ذلك في (برامج متكامل للعدالة الإنتقالية) إجمالا و تفصيلا في المحاور التالية :-
أولاً: كان يجب الإعتراف بنضالات شعوب جنوب السودان جميعا منذ العام 1955  بناء علي مشاركتها في الحرب تحت رايات الحركة الشعبية ومن قبلها حركات الأنيانا ؛ و السبب لأن الحرب لم تستثني أحد من مكونات دولة جنوب السودان بل أمتد أثرها الي الجميع . أهمية هذه الخطوة ستعزز المضي قدما نحو تبلور الوجدان الوطني و بالتالي تبلور لفكرة المواطنة التي ستصب في خلق شعور عام  بالمساواة و العدالة و النظر نحو (علم ) الدولة بالإحترام والتقدير .
ثانياً:  الحقيقة و المصالحة بين شعوب جنوب السودان في الظلامات التي تمت نتيجة للنزاعات الداخلية بين بعض شعوب الدولة في الماضي ؛ و بين قادة الحركة الشعبية نتيجة للخلافات التي مرت علي مر تاريخ الحركة و مناقشة مسبباتها بموضوعية وحياد في فلسفة لا تهدف للتجريم بقدرما تدفع الي وضع لبنة جديدة مبنية علي الثقة بين مكونات الدولة .  و يمكن أن تستند علي الأرث الضخم من التقاليد والأعراف المشتركة لتنتج نسخة للحقيقة والمصالحة تشابه الواقع و تتسق مع شروطه الثقافية و أعرافه ومواريثه . الغرض من هذه النقطة هو رفع الحس تجاه الآخر و إبراء للذاكرة من إتهامات قد تكون موضوعية أو غير كذلك  و إنصافا للمتضررين معنويا عبر الإعتذار و إبراز الحقيقة  .
 أما بالنسبة للأزمة الراهنة يجب تكوين لجنة للحقيقة والمصالحة وخاصة بين أثنيتي ( الدينكا و النوير) ؛ و الأستفادة من دولتي يوغندا وكينيا بالأضافة الي الزعماء العشائريين و الروحيين .فدولتي كينيا و يوغندا يمكن لهما لعب دور محوري ؛ حيث أنقسم اللاجئين بين الدولتين حيث فضل الدينكا اللجوء الي يوغندا بحكم الدور المحوري في النزاع بينما فضل النوير كينيا للدور المحايد نسيباً ، من الناحية السياسية  تتعبر الدولتان قد حققتا نسب نمو إقتصادية كبيرة في الفترة  من 2005 الي 2011  لتدفق عائدات البترول بشكل مباشر أو غير مباشر. فلا يزال هنالك وسطاء أخرين مثل اثيوبيا و تشاد و روندا الدول الصاعدة سياسيا في القارة علي حساب التراجع النيجيري و جنوب فريقيا ؛ علي أن تنبني جهود التسوية  علي النتائج التي تخرج  بها  لجنة التحقيق التي شكلها الإتحاد الأفريقي برئاسة رئيسة المفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب .

ثالثاً: الإعلان عن خطة إنتقالية  لتقديم  الخدمات بما يعزز المضي مستقبلا في البنية التحتية عبر مشاريع كبيرة للتنمية  تتسق مع إمكانات الدولة ورفع قدرات المؤسسات ؛ و تستهدف جميع الشعوب بل تحثهم علي المشاركة الجماعية فيها والإستفادة منها من أجل ضربة بداية عملية وجادة لخلق شعور عام بالمشاركة والإستفادة  من نتائجها  دون مفاضلة أو مشاركة مبنية علي أساس عنصري أو أثني لترسخ في أذهان شعوب جنوب السودان قبولآ للتعايش معاً و جنبا الي جنب ؛ و تنوع المشاريع بحيث تضمن المشاركة المتساوية من حيث النوع  .
رابعاً : إيلاء الإهتمام الخاص لقدامي المحاربين و القادة الروحين  والمرأة  عبر مشاريع خاصة تعيد لشعوب المجتمعات الجنوب سودانية بعض من التماسك الإجتماعي الذي أثرت فيه ظروف الحرب بهدف إعادة إستنهاض القيم و الإعراف  ؛  و يرفع من قدر المساهمات التأريخية لهذه المجموعات بما يمكن من تدوين التاريخ الشفوي بسهولة ويسر . و يضع أساساً صلباً لمجتمع تبلورت خطوط العلاقات فيه بصورة مقبولة في اطار خروجها من صدمات الحرب التي شرخت الوجدان و أثرت في الكثير من الموروثات التي لا تزدهر الا في أوقات السلم لإرتباطها بالإنسان كمحور و بالأرض كجغرافيا و بالأمان كبيئة سليمة .
خامساً: في الممارسة السياسية يجب الإنتباه  الي أن التجارب في ظروف الدولة الوليدة لها دور مهم في المسيرة السياسية  . وكذلك الإنتباه الجاد والواعي الي أن الدولة في مرحلتها الانتقالية يجب أن تبدأ  من أرضية صلبة مستفيدة من قيم الأسرة الإنسانية في علاقاتها  بالمجتمعين الدولي والإقليمي  وعلاقاتها بمعارضيها وفي  طريقة إدارتها للدولة ؛ و الإنتباه الي التحولات الكبيرة التي تفرضها ظروف إقليمية و دولية في المجالات المختلفة سواء المتعلقة بالحريات- العلاقات الدولية- الحقوق التي نصت عليها القوانيت .  والإرتهان الي  قيم العدالة و سيادة حكم القانون و إحترام التعددية والديمقراطية ؛ و الجدية في الإبقاء علي الإلتزامات بالقدر الذي يبرز الجدية و ينشرها بشكل متساوي بين جميع شعوب الدولة لتبدأ مسيرة نمو و إرتقاء متوازية الأطراف في  توقيت واحد وبمكنيزمات موحدة.
سادساً : الاستفادة من فئة الشباب للحد من إنخراطهم في المليشيات بتكون مفوضية خاصة بالشباب توظف جهودهم في الترويج للتعايش السلمي و الاستفادة من جهودهم في مهام مشتركة مثل الأحصاء النوعي لعدد من القضايا - تكوين السجل الوطني حول الأمراض - أنتشار السلاح ، دليل قضايا التنمية ,السجل الرياضي  ، و تشجيع الرياضات بما يتسق و الثقافات المختلفة و الدفع بها الي مصاف الوطنية ، يمكن تنفيذ هذا المحور في شراكة وطنية ودولية مع وكالات الامم المتحدة المختلفة ذات التفويضً المشابه.
سابعاً:  أستناداً علي نتائج لجنة التحقيق الأفريقية و جهود لجان الحقيقة والمصالحة يمكن تحديد منطقة داخل حدود دولة جنوب السودان شهدت نسبة عالية من أحداث العنف و  وتشييد مقبرة رمزية  لكل ضحايا النزاع منذ العام 1955 الي أبريل 2014 ،   لتصبح رمزاً تاريخياً علي طي صفحة العنف ، وبالطبع ستساهم في خلق الشعور بأن الدم الجنوبي واحد .

في ختام المقال أود أن أختم بأن عدم الإنتباه الي خلق روح شعور وطني يدفع الي تكوين الأمة هو ما سيجعل من الامر أكثر تعقيدا  لأن البنية الأثنية  للدولة الجديدة  لا تزال تراوح مكانها ؛ مما تدفع بها يمينيا ويسارا  كوابح الأثنية  وقد تلقي بها نحو هاوية لا مفر من إنها ستكسر عظم الظهر وحينها سيكون الوقوف صعبا والنهوض في حكم المستحيل دون الأعتماد علي أياد خشبية وبالطبع لن تمتد مجانا  .   




مصدر الصورتين  محرك البحث قوقل 

Badawi0050@gmail.com

القطن( طويل و قصير) التيلة ......عرضحال نعي العدالة .


ظللت  متابعاً (سِيرة ) ملف شركة الأقطان ، التي شغلت الرأي العام طويلاً بل توالت  معلوماتها تتسرب هنا وهناك لتكشف عن نموذج راسخ للفساد يصلح كمدخل لدراسة ـ تفصيلية بل لا غرو عن مقاربتها حسب إحداثياتها  ب( فيروس نقص المناعة) فقد ولغ فيها شخصيات شغلت مناصب رفيعة  و مهمة بالدولة ,تدثروا بالحصانات التي ظنوا أنها ستسر عوراتهم ...لكن خاب فألهم  فالقطن( طويل وقصير)  التيلة أبت خيوط نسجه أن تفعل ذلك ، فهي سليلة تاريخ مجيد اكتسبت مناعتها ضد (البكان الهش) من نضالات المزارعين و عرق عمال (الكنابي ).
يبدو أن فرعية  الأقطان الشرعية قررت أنابه عن نقابة المزارعين للأقطان , تقديم نموذج بالكشف عن أخطبوط الفساد الرابط علي صدر الوطن , تقارير المراجع العام طيلة سنوات مضت ظلت تنظر بعين الرضا لمؤسسات مثل المحكمة الدستورية والهيئة القضائية ، و هو ظن حسن يمكن ترجيحه دون أدني تردد، لكن كما يقول  المثل الشعبي (تحت السواهي دواهي)  فهاهي (أم الحسن تربك جموع المباركين يوم جديدها ) بما أتته من كارثة لا ينفع معها مبضع جراح  فهي أصابه في (لب الكرامة) و في أوان خريف العمر .
لا أود الخوض في سيرة من ولغوا يحللون رزقاً ليس لهم بطرق لا يمكن لها  الصمود تحت أشعة الشمس , ففي تقديري أن ما وراء السطور أكبر بكثير من المبالغ التي خرجت مهرولة في  الوسائط  ففترت المطابع و( مفاتيح اللوحات ) من الضغط علي الأصفار التي تلت الأرقام الصحيحة ، فالأمر يشير الي أن إستغلال النفوذ بشكل أبعد من الهفوات بل بطريقة ممنهجة وأدوار مدروسة لموظفين (مستقلين ) حسب الوصف الوظيفي , و هي  الكارثة  علي وزن (أم الكبائر) 
الذين زاغت أعينهم أمام تكرار الأصفار و دخل  الي ذممهم هم المنوط بهم حفظ حقوق الشعب والفصل بينه  وفقاً للقانون ، و تقدير الخطر الداهم علي الوطن ، ببساطة باب الوطن كان (فاتح شارع) لكن أعداءه الذين يقصدونه في دينه وعرضه كما ظل يرددها قادتنا البواسل بمناسبة أو بدونها كانوا في غفلة من أمرهم أو ربما أحسنوا الظن فيهم تقديراً لهيبة الوظيفة التي ترتفع في تقدسيها الي مهتم الرسل ، عفواً ايها المتربصون بالوطن  (الجنينة ، غفيرها نائم) و في رواية  أخري (الخفير صرعه أرضاً خيوط القطن ).
الأمر الثاني دائرة تحرك الملف  تشير بوضوح الي أن مراتب الفساد متعددة، و لها درجات تحددها لقيمتها المادية ،  للأسف أن يكون تقترن سمعة من كانوا  سدة مؤسسات تمثل ضلع مهم في بنية الدولة ,بأفعال، لا  يجرؤ  أن يفعلها موظف فاسد في مدخل الخدمة , فعلا  العين الصغيرة في الفساد( بتجي)  الطيش ، فها هي المؤسسات التي كان يمكن أن يؤكل إليها عملية المراقبة والإصلاح مستقبلاً  تحتاج الي وقفة جادة .
قرأت ما سطره وزير العدل السابق الأستاذ عبد الباسط صالح سبدرات  ونشرته الأسافير الي القبل الأربعة  ، كرسالة للوزير الحالي الأستاذ محمد بشارة دوسة (يطاعنه) في  انتهاك سرية الإجراءات بعرض الملف  علي المجلس الوطني , مجمل الخطاب من الألف الي الياء جعلني أستدعي طرفة إفريقية مفادها ( أن أحدهم أدمن الكحول  فأوصاه الطبيب بالتوقف عن الشرب , تبرع صديقه
 مراقباً له فلم يكن يتورع في دلق ما تقع عليه عينيه في محاولاته المتكررة للاحتساء سراً ،في أحد الأيام بعد أن مارس الصديق وصايته و روي الأرض بما أخذه عنوة من بين أكف صديقه (الممنوع بأمر الطبيب)  ,  الا أنه باغته بحرقة  قائلاً دلقتها أيها القديس الصالح ، فهو علي يقين أنه الأخر( الدالق علي الدوام)  يحتسي بمزااااج  لكن بعيد عنه ).

يبدو أن ملف شركة الاقطان سيفاجئنا بالكثير المثير ولا غرو في ذلك فهي سليلة  سيرة نضالية شديدة الحساسية تجاه الصاح . 

مساء الخير واشنطن ....................قطار (الدوحة) في محطته الأولي .



كان  واضحاً منذ البداية بأن الطريق الذي فرضته  ( واشنطن) و  خططت له ليمر عبر( الدوحة ) من أجل الوصول الي تسوية سياسية  بإقليم دارفور(  ملغوم ) بالكثير من (المحاذير) التي يعرفها قاموس السياسية  ,لذلك  خرج (الجنين مشوها)  و لم تفلح (دربات) التصريحات المجانية و(الوعود) المخملية ,أن تدفع بما (يبث) الروح في (وثيقة الدوحة) أو تنزل (أمنا و سلام ) .
 للوقوف علي  ذلك سأحاول تقصي مسار الرحلة التي أعلنت ذات ال(واشنطن)  عن فشلها في الوصول الي (الميس) وفقا للتصريح الصادر من الحكومية السودانية بتاريخ 12 مارس 2014 برفضها مقترح للولايات المتحدة الأمريكية لعقد مفاوضات جديدة حول سلام دارفور.
لقد   صاحب الفشل ( إتفاقية الدوحة) أبتدأ وهي تفشل في أحراز الواجب التحضيري أو الأساسي الذي تستند علية أية عملية تسوية سياسية وهي أقناع أطراف الأزمة الفاعلين (علي الأقل) من الحركات المسلحة  بقبول (التفاوض)  وذلك ليس بالعسير فقد حدث في أوقات سابقة  , و كخطوة تعتبر بذات أهمية تحديد المشكلة  .
من ناحية ثانية و كما هو معلوم في أبجديات التفاوض الناجح الاتفاق علي (مكان)   التفاوض  كجزء لا ينفصل من العملية بكلياتها , حيث اتفاق أطراف الصراع أو  الفاعلين والمؤثرين , تعني  ضمنيا  احترام لأرادتها و إبداء لحسن النوايا (بحيادية) الوسيط  لكن هل كانت الدوحة محل قبول لكل الأطراف ؟
 بالطبع لا!!
 لأن الدوحة تعتبر  حليفة أساسية لحكومة الخرطوم و  تربطها صلات وثيقة بحكم الخلفيات السياسية الإسلامية التي يتبناها النظامين . وهي غير خافية علي الوسيط الظاهر (قطر) أو المستتر(الي حين)  (واشنطن) ..
هنالك تجارب من أجل التسوية السلمية لأزمة دارفور مثل اتفاقية  (أبوجا 2006 ) التي و قعت بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان- جناح مني مناوي ,  والتي انتهت  بفشل  تمثل  في  عدم رغبة حكومة  الخرطوم ’ في الإيفاء بالتزاماتها  ’ بدليل أن الوضع علي الأرض ظل كما هو بل تنصلت الخرطوم من أبسط الاستحقاقات مثل أعفاء طلاب دارفور بالجامعات من الرسوم الدراسية,  لينتهي الأمر في كثير من حالات المطالبة بأنفاذ ذلك(الحق) للمواجهة بفوهات البنادق (حادثة جامعة الأمام المهدي , وجامعة الجزيرة ) علي سيبل المثال لا الحصر ,كما لم يكن لوسطاء (الدوحة)  ما يقدمونه من ضمانات للاستفادة من التجارب السابقة ,  وبالعادة لم تقدم الخرطوم سوي(النية) لأنفاذ الاتفاق  و النوايا ليست سوي التزام أخلاقي غير ملزم في (قاموس السياسة).
ظل إصرار (واشنطن ) للسير في طريق التسوية الثنائية  في ظل ارتباط (مشكلة اقليم دارفور)  بأزمات الدولة السودانية  , يشير بوضوح الي التعامل الغير جاد والمدروس  مع  الأزمة التي شهد العالم علي أنها (واسعة النطاق) , بل يمكن وصف (التكتيكات)  التي تعامل بها الوسطاء  بأنها  (مغامرة ) سياسية لم تخرج فلسفة (إحداثياها) من التجريب لخطط و نماذج (مبسترة) قدحت في (حيادية ) دورها  و ذلك للأتي:
-التعثر في إشراك الحركات المسلحة الفاعلة علي الأرض و التي ارتبطت  بالأزمة ارتباطات تاريخية و موضوعية وثيقة لا يعني  (قصر النفس) و السعي  مباشرة لتكوين حركة أخري أو (جسم)  للتفاوض مع حكومة الخرطوم , لأنه يعني سياسيا المساهمة ( تأجيل) الوصول الي حل ,و تعقيد مسارات الاتفاق بإضافة   أطراف أخرين في خطوة تتعارض مع جوهر التفاوض الذي كلما  (قل) أطرافه أصبح من السير الولج الي (العقدة).

- وإنسانيا تعتبر  صناعة (جسم) أو حركة للتفاوض معها , تقليل لسقف المطالب المشروعة لأن الطرف (المصنوع) يظل متأثرا بأراده  من هم وراء (الفكرة) و ما ينتج بالضرورة  يصبح رهين لأرادتهم.

-  قانونيا فالمضي في صناعة طرف  للتفاوض , بمثابة  فرض وصاية علي (الضحايا) في اختيار ممثليهم , ما يسفر عن ذلك يعتبر قد تم بإرادة منقوصة  لا تعبر عن الضحايا بالتالي تظل بعيدة من  حقيقة واقع الحال.

أخيرا  تنضم اتفاقية الدوحة الي رصيفاتها من الاتفاقيات الثنائية التي   لا  تقوي علي السير طويلا قبل أن  (  تحبوا) لأنها  حتي في خطل ثنايتيها اختارت  نسخة (مصنوعة)  , لتسطع الحقيقة بأن الأزمة مرتبطة ومتشعبة و حلها يكمن في حل جذري لأزمة الدولة السودانية  (المركبة) و برؤية غير مبسترة سياسيا و غير مضطربة و مرتبطة بمصالح الوسطاء و أحادية رؤيتهم  ..... فمساء الخير واشنطن ,قطار (الدوحة) في محطته (الأولي )  و ليس للحل سوي طريق واحد  ...........

جنوب السودان ... التفكير خارج الصندوق -2

في المقال الأول تحدثنا عن ضرورة الإنتباه إلي إدارة المشاركة حول السلطة و الثروة  ليس فقط بين أطراف الصراع الحالي  في دولة جنوب السودان لكن  برؤية إستراتجية  تحقق   إستقراراً علي طريقة  (التفكير خارج الصندوق ) وهو مصطلح  يعني التفكير الخلاق  أو المبتكر الذي    يحقق أقصي  قدر من  (المنفعة) المصلحة.
في هذا المقال  أود  تناول  زاوية اَخري من الأمر تسير في  ذات طريق إستدامة  الإستقرار   و العيش الإجتماعي الاَمن  بين مكونات شعوب السودان  جميعها دون  إقصاء لتنهض  سداً أمام  مطبات الإحتقان التي   تعزز من  إعادة زرع  قنابل  موقوتة  علي مستوي الذاكرة  الأمر الذي  قد يقود إنفجارها إلي تكرار سيناريوهات  نسف  ما تحقق من  مكاسب عن طريق التفاوض  و الذي يأمل  أن   يكبح جماح (البندقية) و الموت  (سمبله ) .
يتعلق الأمر هنا بدور الحكومة المركزية  في الوفاء بإلتزاماتها  تجاه و حرية التعبير و التنظيم  من جانب و الجانب الأخر دور  نقابتي الصحفيين أو الإعلاميين و المحاميين  في المرحلة التي  يمكن توصيفها وفقاً  لتسيمات إدارة الأزمات بالإنتقالية .
فقد ظلت  حرية التعبير و التنظيم  تواجه تحديات كبيرة  منذ  بواكير  العام 2001 م اي بعد الإنفصال مباشرة  و بالرغم من كفالة  الدستور لذلك   الإ أن سجل الإنتهاكات سار حذو النعل بالنعل مع  ممارسات  دول اَخري  إحتلت  مراتب متأخرة في   التصنيفات العالمية  لأوضاع حرية التعبير وفقاً لتقارير بعض  المنظمات العالمية  و المستقلة المهتمة بمراقبة أوضاع  حرية التعبير و الأمثلة كثيرة  يتطلب حصرها سجلاً منفصلاً   .
من زاوية  اَخري يجب الأ   نغض الطرف عن  الدور المنوط  بنقابة الإعلاميين أو الصحفيين    وهنا تجدر الإشارة إلي  أن المقال ينطلق من موقف ثابت تجاه دعم حرية التعبير و عدم تكبيلها بالقيود لكن في حالة جنوب السودان    ما ظل يختبي عن التناول  و النقاش  أن بعض الأحداث يتم النظر إليها حال وقوعها دون إيلاء الإهتمام  بالخلفيات التاريخية التي  تشكل جزء منهم من الأسباب  التي يقود تراكمها إلي نتائج  تعطل من طاقات المهنية و الإحترافية من  لعب دور رئيسي وفقاً  لتفويض المهنة و المسئولية القانونية و الإخلاقية  لكي تكتمل الصورة  أو  رؤية (وجهي العملة)  .
الصراع الخفي  و الذي لا ينفك من  خلفيات سياسية بين أجيال تعتبر أنفسها أصيلة  و ذات حقوق  تاريخية  بناء علي عضويتها  في الحركة الشعبية لتحرير السودان و بين جيل اَخر من الصحفيين  الشباب  يستندون  علي  إكتساب ذات الحق وفقاً لمبدأ الدستوري  المواطنة المتساوية  و لا سيما بعد  إعلان دولة جنوب السودان  في 2011م  ،  هذا الصراع غير المعلن  ظل يستنزف جهود  كبيرة ويعطل نمو الخبرة  بإنفصام  (لحمة) المجايلة بين أجيال الصحفين الأمر الذي جعل منها  جزر معزولة  .
إذا  ظلت الأنظار تتجه نحو الحركة الشعبية  (بكل أطيافها)  و مسئوليتها نحو الأحداث الأخيرة  فمن المنطقي   التنبيه إلي أن هنالك دور  و مسئولية تاريخية بدأت  منذ إعلان الدولة  علي العاملين في الحقل الإعلامي  ،  ( بعيدا عن التعميم المخل) لكن  الأمر يتطلب النظر برؤية وحكمة   لمعالجة الأزمات داخل الوسط الصحفي  بالإستناد إلي طرق علمية  تعلي من شأن الواجب علي الإنتماء الضيق  و تحتكم علي مواثيق  إخلاقيات  المهنة التي فرض الحياد، و الإدراك إلي أن الجميع متساون في الحقوق والواجبات  لكي تبعد بيئة العمل  عن  النظر بذات نسق (الأقدمية التي تنتهجها المؤسسات العسكرية ) .
في هذا الظرف  التاريخي   تفرض   المسئولية الوطنية علي جميع الصحفيين و الإعلاميين تنظيم أنفسهم في جسم مستقل  يعي دوره  ك(سلطة رابعة)  لأن  تنفيذ اتفاق السلام و مراقبته واجب  لا حياد عنه  بل أن الدور الإيجابي  سيدفع إلي تحقيق الإستقرار  لكونه سيشكل موجها  و (خارطة طريق)  لكونها تعبر عن  (حال الشعب)  عبر النقد  الموضوعي (للحال المايل) ،إلي جانب إقتراح الحلول ، فبديهياً  ليست هنالك حوجة  للمزيد من الساسة  في الساحة بقدر  الحوجة إلي صحافة مستقلة و مهنية  تسندها أجسام نقابية  تعمل في أتساق و إنسجام  ، و إلي تحقق ذلك يظل دور حماية و توفير المناخ و بيئة العمل  الاَمنة واجب الدولة في المقام الأول ، و لكي يتحقق  يفرض واجب علي  الجميع التوحد و التضامن لكي تتربع علي عرش سلطاتها و حينها لن   يكون المساس بها من اية جهة بالأمر اليسير .
من جانب اَخر قد لا  تختلف طبيعة الصراع  داخل قطاع المحاميين  حول  الجسم النقابي ( نقابة المحاميين)  عن سابقه  فهي محمولة علي ذات فلسفة  إكتساب الحقوق و فقاً لمعايير (الأقدمية في الإنتماء السياسي)  بين  جيليين  ،  فأري أن ما سقناه عاليه  عن حرية التعبيير  يظل  ينطبق إلي حد كبير  علي  واقع المحاميين أو حرية التنظيم ،  فالنقابة جسم لخدمة العضوية و تنظيم شئون المهنة  لكن في الظرف الحالي  هنالك دور غير محوري  يتمثل في كونها  وقع علي عاتقها واجب  إضافي  لتصبح فاعل رئيسي عمليات   تحقيق الوصول السهل للعدالة والمحاسبة  ، فالواجب  يتطلب   المساهمة في تحقيق الإستقرار ، لكن  لن يتم هذا الدور مالم  يتفق الجميع  علي الترفع عن الصراعات غير المجدية  و تحقيق نقابة مهنية مستقلة  تساهم جنباً إلي جنب مع السلطة القضائية التي  يتطلب منها الحياد و المهنية لكي  تقي الدولة  مزالق السير في طريق التدويل  و الدخول في حلبة  كلا المتلاكمين فيها يحملون  ( جنسية واحدة) .



جنوب السودان ... التفكير خارج الصندوق


في أبريل من العام 2014  بالتزامن مع إطلاق سراح مجموعة المعتقلين  التي عرفت شعبياً علي نطاق واسع ب(مجموعة فاقان )  بموجب عفو رئاسي  علي خلفية  الإتهام  بالضلوع في محاولة  الشروع في محاولة إنقلابية   نشرت مقالاً تحت عنوان ( إستقرار جنوب السودان .. الحلقة المفقودة ) ، حيث أشرت  في صلب المقال إلي  وصف الحدث باللحظة التاريخية التي  كان يجب إستثمارها سياسياً  لتنفيذ حزم سياسية من التدابير أشرت إليها ب ( العدالة الإنتقالية)  لبداية لمخرج من الأزمة التي صعدت إلي السطح في ديسمبر 2013م .
الاَن و بعد مضي عامين علي الأزمة  جرت مياه كثيرة ( تحت الجسر)  أبرزها و أهمها  التوقيع علي إتفاقية  سلام بين أطراف النزاع  بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا  في  أغسطس  2015  ، تتويجاً لجهود أصدقاء  دولة جنوب السودان و دور  مقدر للإتحاد الإفريقي  .
بالرغم من أن  الإتفاقية سارت في ذات الإطار التقليدي  الذي إختزل  الحل بين أطراف النزاع و من جانب  أخر فإنها  تركزت في ذات المعطيات التقليدية  (إقتسام السلطة  و الثروة ) ، رغم ذلك  اُستقبلت  بترحاب و قبول  كبيرين  لأن  النظر إليها  إنطلق من زاوية  قُدرتها علي وقف  (العنف المفرط ) الذي أدي  فقدان الأرواح  ، و نفذ إلي  منطقة أكثر حساسية  قادت  في بعض الأحوال  إلي  إنفصام  شعرة  علاقات إجتماعية  توطد تلاحمها  علي مر عقود من الزمان  ، كنتيجة مباشرة  للمناصرة  الإثنية  في صراع طبيعته  الحقيقية  سياسياً  أو بصورة أخري ( صراع حول السلطة ) .
حتي كتابة هذا المقال لا يزال  شفق تنفيذ أتفاق السلام  يسير  في بداياته بحذر لكن رغم ذلك  يظل شهر يناير 2016م  ما  تتجه  الأنظار نحوه ،  لأنه  وفقاً  لترتيبات التنفيذ  هوالتوقيت  الذي يتوقع فيه  مرورها  بالإختبار الحقيقي فإما أن يمضي نحو تنفيذ جاد أو يصبخ  خيبة أمل  أقل  ما يمكن أن توصف بها ( تكرار الصدمة الكبري )   .
ليس إستباقاً للأحداث لكن  هنالك ضوء من التفاؤل يلوح في اَخر النفق لأن  الصراع الحالي  جاء بعد  (8) أعوام  من الإستقرار النسبي  (5) أعوام في ظل تفويض  إتفاق السلام السلام الشامل  2005م و (3) عامين بعد إنفصال جنوب السودان  في 2011م  ، وهي  فترة  زمنية رسخت في الأذهان  معني الإستقرار و العيش  الاَمن  ،  في تقديري  أنها  تنهض لتشكل حجر الزاوية  لذاك التفاؤل  ، لكونها  شكلت   عامل نفسي  جعل قطاعات و اسعة من مواطني  دولة جنوب السودان  يجمعون  بشكل غالب علي  الحرص علي  إستقرار الأوضاع و عدم العودة إلي الصراعات المسلحة  فكأن حالهم يشكل  ترجمة لحكمة شعبية  مفادها (  من تمتع بالعيش الاَمن  يدرك  جيداً سوءات الحرب ) .
يظل تفاؤلي منقوصاً  دون توافر إرادة  سياسية  من  الأطراف  ، التي يجب أن  تلتزم  بدفع إستحقاقات  تنفيذ الإتفاقية  ،  بجانب أمر  اَخر يجب تحققه  لإخراج الإتفاقية   مطبات الخلافات  و يبعدها من  الأثار السالبة  لكونها    (محدودة الأطراف )  ، هو أن يتم    التعاطي مع بنودها  علي طريقة  (التفكير خارج الصندوق ) وهو مصطلح  يعني التفكير الخلاق  أو المبتكر الذي    يحقق أقصي  قدر من  (المنفعة) المصلحة  .
للنظر عملياً لنموذج لطريقة  (التفكير خارج الصندوق)  دعونا نأخذ  النفط    كمثال لكونه  يمثل  إحدي  النقاط التي  تمثل  محط  أنظار  الأطراف  و أصدقاء  دولة جنوب السودان الذين تتشابك وتتعدد مصالحهم وقفاً لزاوية نظر  كل منهم و دورها  سابقاً في دعم الحركة الشعبية  قبل تنفيذ السلام  في 2005 م  وبعدها  ، إدارة  النفط علي طريقة (التفكير خارج الصندوق ) يفرض  عدم النظر إليه كمورد  يجب أن  يكون داخل دائرة الإقتسام  فقط ، بقدر ما  يجب إدارته (ككنز) يجب أن يوظف  لإدارة أقتصاد الدولة ،  علي سبيل المثال توجيه النفط إلي دعم الزراعة  بدلاً من الإستيراد  يقود إلي  ثورة  زراعية تؤائم  طبيعة  الموارد في جنوب السودان ،  وفي ذات الوقت  تصبح مورداً  ثاني  للإقتصاد القومي ، بل و يقود إلي تجنب  تجارب دول  اخري سارت في الأتجاه الخاطي مثل نيجيريا  التي أهملت الزراعة و ركزت علي النفط  لتدخل في أزمة حين نضب  ما تحت الأرض  ، كذلك الحال في  جمهورية السودان  التي أيضاً أهملت الزراعة ( مشروع الجزيرة ) و غيرها  و إعتمدت علي البترول لتفقد ذلك بفعل  الإنفصال   في العام 2011 م فلم تجد  طريق  لسد العجز سوي عبر إعلان  حزم التقشف الإقتصادية   في 2012 ،2013م علي التوالي .
في ذات السياق توظيف موارد النفط لنهضة صناعية  يعدد من مصادر دخل الإقتصاد  فالجنوب  دولة لديها من الموارد الغابية ، الذهب  ، الطيران  (للموقع المميز للدولة علي مستوي القارة ) ، صناعة الأسماك و توليد  الطاقة الكهربائية  علي سبيل المثال لا الحصر  و الأمر الذي  يحقق إستقرار سياسياً و إقتصادياً ، لأنه ببساطة أحدي  العوامل التي  عجلت بدموية أحداث ديسمبر 2013م  تركز الأنظار نحو  مورد  قابل للنضب مما وجه تفكير كل طرف في بذل جهد للفوز به  دون  إيلاء إهتمام  للجماجم التي تناثرت في طريق الوصول الي ذلك.
محور أقتسام السلطة  إذ لم يسير في ذات  إحداثيات  تلك النظرية فإنها ستخلق مزيداً من الإحتقان الذي سيؤدي بدوره إلي إنفجار جديد ،  فهاهي الفرصة  التي قد لا تتكرر أمام الجميع لجعل  المشاركة السياسية  تتم  تحت فلسفة  خلق بنية  للخدمة المدنية  بمعايير الكفاءة والفرص المتساوية  مع الأخذ في الإعتبار أن المواطنة هي  المعيار الاسمي  للتمتع بالحقوق و الإلتزام بالواجبات .
أخيراً  هنالك جيل  جديد  تفتح  و تعاظمت اَماله  بعد  الإنفصال  في العام 2011م ، لا يزال تراوده  أحلام العيش في ظل  ظروف تحترم كرامته و توفر له  حياة أفضل   ، وبالرغم من الراهن فهو  ينظر  إلي ما يجري  بعين بصيرة  و يمد حبل الصبر عل  الإتفاق  قد يقود إلي  تحقق ما يداعب  ذاكرته ،  لكن يجب الأ ننسي بأن صبره لن يطول  لأنه ليس علي أستعداد  لدفع  أثمان باهظة  في صراع  لا يمثله و لا يتوفر فيه ما يجعله  يحمل  البندقية للدفاع عن اي من أطرافه .
ختاماً  ( دعونا  نصلي   في  موسم تزامنت فيه الأعياد  ( ميلاد الرسول محمد (ص) و يسوع المسيح  من أجل  غد أفضل و مستقبل أجمل لدولة جنوب السودان)


عبدالكريم "أبوسروال" : وداعك علي خاطر الإنتظار (5-5)

أبوذكيه الذي بدا حياته بالنقل البحري لينتهي به الحال تاجرا بالكنغو تتردد سيرته كثيرا، سالته يا عبدالكريم قالوا كنت من السواقين بين الكنغ...