الاثنين، 7 مايو 2018

المشهد الثقافي بجنوب السودان ذاكرة الإبداع و تحولات الراهن (1-2)


المشهد الثقافي بجنوب السودان ذاكرة الإبداع و تحولات الراهن (1-2)
الناظر إلى طول أمد الحرب الأهلية بين (السودانيين: السُودان وجنوب السُودان ) والتي إمتدت لفترتين منذ العام )1954- 1972م ( ثم الفترة الثانية ) 1983- 2005م ( وما حملته من إفرازات على كل المستويات سواء في نسخة تديينها (الجهادية)، يجد أن سادت لغة الكراهية التي بثها على نطاقٍ واسعٍ الإسلاميون السودانيون إلى جانب تأثيراتها المباشرة التي دفعت بشعوب جنوب السودان  النزوح شمالاً إلى (السودان) واللجوء إلى دولة مصر ودول الجوار القريبة مثل ( يوغندا ، كينيا  وإثيوبيا) بالإضافة  العديد من الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا .
عربي جوبا سيد  مشاهد الحياة:
في البدء لابد من الإشارة إلى أن اللغة العربية كانت لغة الدولة و التعليم في الدولة السودانية،  لكن بالنظر للمشهد الثقافي في جنوب السودان بعد توقيع إتفاق السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في العام (2005م)، الوقوف على مظاهر التنوع اللغوي الذي إقترن بحركة اللجوء إبّان فترة الحرب، فمن البديهي أن نُشير إلى لغات شعوب جنوب السودان بالإضافة إلى عربي جوبا اللغة التي يمكن تعريفها بأنها (لغة هجين ظهرت إلى حيز الوجود من خلال إمتزاج  لغات شعوب جنوب السودان باللغة العربية)، لكن ظلت لغة الباري [1]هي ذات الأثر الأكبر في تشكل اللهجة الوليدة، و واتخذت  لغة عربي جوبا من إقليم الإستوائية الكبرى  وعلى وجه التحديد عاصمته جوبا مسرحاً لها بحكم  موقعها الذي إكتسبته من النشاط التجاري الذي ظل يشهده جنوب السودان وأيضاً كنقطة إنطلاق للتجارة الحدودية مع بقية دول الجوار، حيث يشترك معظم شعوب جنوب السودان في التواصل بها، فارتفعت لتُصبح  لغة الحياة ومية حيث بثت بها إذاعة جوبا  في العام 1962م و التي كانت تبث لمدة ثلاث ساعات ،حياه باب الله أحد المذيعات اللائي رسخت طلاوة صوتها في اثير الإذاعة. [2]
يقول عبدالكريم خير السيد ( أن لغة عربي جوبا كانت لغة التواصل في أغلب مدن جنوب السودان ، في كل من توريت التي عاش فيها 1975  1978م )  ، و تنقل خلالها مستخدما عربي جوبا بين كل من بور ،  فرجوك ، كتري ، نمولي .[3]
أيضاً عمق من إتساع نطاقها حركة التجارة الواسعة التي انتظمت في دولة جنوب السودان بعد توقيع إتفاق السلام الشامل ، والتي شجعت العديد من دول الجوار يوغندا، كينيا، إثيوبيا ، إرتيريا، الصومال، الكنغو، أفريقيا الوسطي، رواندا و بوروندي، لتصبح لغة عربي جوبا هي لغة التواصل الأساسية بينهم و شعوب جنوب السودان .
أحياء مدينة جوبا و تأثير لغة عربي جوبا و اللغات الاستوائية:
بالنظر  لتأثير لغة عربي و عمقها التاريخي في تشكيل الحياة الإجتماعية ، سأحاول الخوض  مستعيناً  بمنهج التحليل التاريخي حيث يظهر من أسماء الأحياء و الضواحي القديمة بإقليم الإستوائية الكبرى حيث إزدهرت عربي جوبا ، أسماء تشكلت مستندة عليه كلغة حياة يومية مما يجعلني أقول بإطمئنان إنها كلغة وطنت ثقافتها في تربة استوائية  جنوب السودان وافردت حيزاً لنفسها  كلغة الثقافة و التفكير و الغناء فبتقصي أسماء الاحياء أدناه مثل (خلي بالك ، أطلع بره ،حي نيم ) تجعلنا نلاحظ تغلغل عربي جوبا في الحياة الإحتماعية ، الإرتباط الثقافي و الوجداني الذي ظل يربط السودان ( العاصمة أو مركز السلطة و الأقم ) يظهر في  أسماء أحياء  مدينة جوبا وهي ( نمره 3 ، العمارات ، حي الكويت ) ، الحرب و تأثير المؤسسة العسكرية يظل في أسماء( البلك ، الملكية ) ، الأحياء التي حملت الصبغة السياسية  للإنقلابات العسكرية التي جرت في السودان سابقاً تظل  وضوحاً في أسماء أحياء ( مايو ، الثورة ) ، أما إقتصاديا فقد دفع تأثيرها ليرتبط بإسم ( [4]حي جلابة ، المعونة ) ، كما أشرنا في موضع سابق من المقال  أن لغة الباري كان لها الأثر الأكبر في تشكيل عربي جوبا ، و ذلك ما يعزي حالة الخصوصية لثقافة إقليم الاستوائية ، و الذي يظهر في أسماء أحياء( كتور، منوكي [5]، وناكورون) .
ختاماً العمق الراسخ الذي رسخ جذور لغة عربي جوبا يدفعنا للتفكير العميق في أنها  أحد عوامل الثقافة و لغة تعبر لحد ما عن الحياة ومية[6]بل أنها مؤهلة لتقف على كعب عال في المشهد الكبير .
unnamed-1
عربي جوبا همزة وصل :
إرتباط جوبا بالإقليم الإستوائي بتنوعه الإثني المشترك عبر الحدود مع دولتي يوغندا و الكنغو ، و التجارة التي كان روادها التجار السودانيين الذين أسسوا في العام 1972م مدينة بازي الحدودية بدولة الكنغو لتصبح مركزاً تجارياً ، عبر تطويرها من قرية صغيرة بها ما يقارب العشرين قطية  أكبر المراكز التجارية بشرق أفريقيا ، إمتد النشاط التجاري لمدينة أروا وغندية بذات الجهد ، الهجرات التي إستندت على إثنية الأرنقا من غرب إفريقيا التي تعرف بإسم إثنية الكبرا في شرق إفريقيا،  بالإضافة  النوبيين السودانيين الذين دفعت بهم الحرب العالمية الأولى لشرق إفريقيا ، حيث يتحدثون  لغة عربية عرفت بلغة عربي نوبي ،  التي تحمل مشتركات عميقة  مع  عربي جوبا ، فوحدت لغة عربي جوبا وجدت مناخاً ملائما لتصبح قاسماً مشتركاً في مدينة أروا كلغة أولى ، جمعت عربي جوبا كلغة مشتركة في المثلث التجاري الذي تمثل أضلاعه مدينة يايي الجنوب سودانية ، بازي الكونغولية و أروا أوغندية.
الصحافة و النشر دار رفيقي و الريادة:
ظلت اللغة العربية تُسيطر على لغة كتابة الإصدارات الصحفية في الدولة الحديثة ، حيث بلغت خمسة صحف مقابل ثلاثة تصدر باللغة الإنجليزية ، من جملة الصحف التي تبلغ ثمانية[7] صحف تصدر بدولة جنوب السودان، وتعتبر صحيفة الموقف التي تصدر بالعربية هي الأعلى توزيعاً، وتُعتبر دار رفيقي للطباعة والنشر التي تأسست في العام 2015م هي أول دار نشر وقد نشرت العديد من الإصدارات لكتَّاب وأدباء جنوب سودانيين منهم إستيلا قيتانو وسارة الجاك  ومنجد باخوس . [8]
من الاصدارات الحديثة لدار رفيقي كتاب سكاكين و هو مجموعة مقالات للكاتب الصحفي بول ايزك سبق و أن نشرت في صحيفتي المصير و الموقف ، و هي باللغة العربية الفصحي مع مزيج مما يعرف بلغة الرندوك وفقا لصحيفة الموقف في عدد الاربعاء الثقافي فإن الكتاب سيطرح بمعرض الخرطوم الدولي للكتاب في دورته التي ستنطلق في 17 اكتوبر2016م [9]
الكتابة عن المشهد الثقافي تتطلب تتبع أثر التنوع اللغوي الذي حُظيت به دولة جنوب السودان في تواريخها المرتبطة بالسلم ، وهنا أعني بعد العام 2005م، إذ لم ينل حظه من الإهتمام والتطوير وذلك لأسباب مرتبطة بسيطرة المشهد السياسي على ما عداه،  جانب لغات شعوب جنوب السودان كما أشرنا هنالك لغة عربي جوبا والإنجليزية، أيضاً لم يغب عن المشهد لغات مثل السواحيلية واللوقندا  والزائيرية التي يتحدثها جنوب سودانيون ممن إستقروا بدول شرق إفريقيا يوغندا وكينيا والكنغو ، في فترات حالة عدم الإستقرار الأمني بإقليم جنوب السودان قبل الإنفصال في 2011م، يبرز تأثير لغات القرن الإفريقي الأمهرية والتقرينا  في المسرح الجنوب سوداني نتيجةً للعلاقات التي ربطت الحركة الشعبية لتحرير السودان بدولتي أثيوبيا وإرتيريا منذ العام 1983م و 2005م، أضف  ذلك فقد شهد بعض الجنوب سودانيين فترات إستقرار بإثيوبيا بسبب ظروف الحرب،  لغة التقرنا يمكن حصر المتحدثين بها لدي منتسبي الحركة الشعبية لتحرير السودان ، من الذين خدموا في الجبهة الشرقية وقد تمركزوا وقتها في دولة إرتيريا في الفترة التي إستضافت فيها التجمع الوطني المعارض بأراضيها، وهو ما يُفسِّر سر إحتفاء منتسبي الحركة الشعبية بالفنانة الإرتيرية هيلن ملس[10] التي أقامت حفلاً حصرياً بالقاعدة العسكرية لجنوب السودان (بلفام ) في العام 2007م، أما العربية  فهي من نصيب الجنوب سودانيين  الذين إبتُعثوا للدراسة بالدول العربية مثل مصر،  جانب الذين إستقروا في السودان الشمالي ، أضف إلى هؤلاء الذين أجبرتهم ظروف عدم الإستقرار للمكوث بدولة مصر العربية التي كانت تُمثل إحدى المحطات الأساسية لما قبل العام 2005م ، للراغبين في إعادة التوطين في دولةٍ ثالثة.
اللغات التي اشرت لها ، بالرغم من عدم حضورها الكثيف حيث ظل تداولها بين أفراد الجات الاجنبية و الجنوب سودانيين الذين يتحدثونها ، حد من انتشارها الظرف التاريخي للدولة الجنوب سودانية حيث الغالبية التي  استقرت بجنوب سودان ، قدموا لأغراض تجارية  ثانياً لم تساعد الأحداث التي اندلعت في العام 2013م على التفكير في الاستقرار طويل الامد ، مما كان يمكن معه ان تجد تلك  اللغات البيئة المواتية لكي تضع بصمتها في ظل مشهد التنوع .
النافذة الأدبية لاتزال مترابطة الجذور وصامدة ، رغم الراهن السياسي الذي تقف على حوافه دولتان كاملتا السيادة، ذاك أمرٌ طبيعي لأن لحمهُ ذاك الترابط هو تشكيلٌ طوعي مضى عبر السنين متفوقاً على الرغبات السياسية ، فهنالك المجموعة القصصية لإستيلا قيتيانو الموسومة بالعودة  تُشير  سيطرة من كانوا ضمن مسرح الحداثة بالسودان الموحد سابقاً ويمكننا أن نتتبع ذلك أيضاً في ديوان شعر للصحفي و الأديب أتيم سايمون قيد الطبع بدار رفيقي.
الإنتباه الذكي :
الملف الثقافي تشكيل ودت صحيفة الموقف  في الدفع به في  عدد الأربعاء من كل إسبوع ، يعتبر حدثاً مهماً فبجانب كونه يكمل من دور الصحف في تواصلها مع جمهورها ،  فهو من الاهمية بمكان فالملف الثقافي أحد أدوات التحصين ضد لغة الحرب حيث تمثل أحد  الأوعية التي من خلالها يتم إبراز العمل الثقافي ، و أين يقف في ظل الظروف الحرجة التي تعيشها الدولة ، من خلال الأعداد التي صدرت من الملف مؤخراً خلال هذا العام ، فإنها تمكنت من تسليط الضوء على ما يدور في الواقع وفتح نافذة لأصوات الفاعلين في المشهد الثقافي للتواصل  مع الجمهور معبرين عن مساهماتهم في الحل السلمي للأحداث من خلال محمولاتهم السلمية و مسجلين صوت إنتباه لحال الصحافة في ظل  غياب الدور التكميلي لسلطة المختصة و الذي يفترض أن يجد دعماً و تشجيعاً.
غياب الموقع الالكتروني للصحيفة من الخارطة العنكبوتية  في هذا التوقيت يحد من انتشار الجهد القيم والكبير الذي تقوم به الصحيفة بشكل عام و الجهد المميز في الملف الثقافي بشكل خاص .
التلوين و التشكيل  و التلحين و الغناء وردة  على خد جوبا :
الفن التشكيلي و النحت هو الآخر يُمثله جيل المبدعين من خريجي كليات الفنون الجميلة والتشكيلية الذين درسوا في سودان ما قبل الإنفصال ، و لعل مساهماتهم تفصح عن نفسها في الساحة  فشعار  دولة جنوب السودان (صقر الجديان) من تصميم الفنان “شول أني” من خريجي جامعة السودان ، أضف له الفنان ديفيد موربي الذي أبدع في تمثال الراحل المقيم د.جون قرنق بميدان الحرية بجوبا ، كما أن هنالك المجموعة التي قامت بتلحين النشيد الوطني لجنوب السودان بقيادة المبدع الأستاذ قبريال ارنست من منتسبي كلية الموسيقى بجامعة جوبا أضف  للقائمة سانتو مليك و استانسلاوس فايدا من المبدعين ، ولعّل السبب الأساسي يكمن في تفوق هذه الكليات على مثيلاتها في الشرق الإفريقي مما قلل من أثر التلوين والتشكيل الشرق- إفريقيين على هذا المجال في الدولة الوليدة،حملة (أنا تابان) التي تنظم جوبا هذه الأيام  والتي تسعي  تعزيز السلم الإجتماعي حيث يُشارك فيها تشكيليون جنوب سودانيون، في العام 2006م حط بجوبا الفنان التشكيلي  الإريتري داني دفلا [11]،  لكن الفترة الزمنية التي لم تتعدي العام من الإستقرار دفعته لعدم مواصلة نشاطه التشكيلي بعد أن أسس إستديو بجوبا لكنه تحول محل للدعاية والإعلان، لم تُسجل سجلات الفن التشكيلي لفنانين سودانيين أو أجانب أي حراك في فترة ما بعد الإنفصال وحتى الآن.
المشهد الغنائي و الوجداني المشترك :
النجاح غير المسبوق لفرقة كوتو[12] و التي أُسست في الخرطوم منذ العام 1994م  على يد ديريك الفرد، إستيفن أفير أوشلا والسماني لوال ، و التي تعرف شعبياً على نطاق واسع بإسم فرقة كواتو نسبة للمسرحية التي أدتها الفرقة و التي حملت نفس الإسم  والتي تؤدي أعمالها  المسرحية والغنائية بلغة عربي جوبا  جانب الإنجليزية لم تتمكن من مواصلة نموها في تربة جنوب السودان ، فكواتو رهان لازال يُمكن أن يؤسس لمنهج فلسفي يرفد الواقع الجنوب سوداني بالكثير ولا سيما وأن من أولى التحديات هو كسر حاجز الإختفاء عن الجمهور العريض ، الذي تشكل وجدانه وتأثر بتلك التجربة الرائدة، بالرغم من ذاك الغياب فالساحة تشهد حضوراً لفنانين يؤدون بلغة عربي جوبا أمثال سي جي أومان، مستر لانق وسلفا إكس، غاب عن الساحة بعض الفنانين مثل الفنان شول الذي يتعافى من المرض وهو أحد النجوم الذين الذين ظهروا في برنامج نجوم الغد التلفزيوني في السودان الشمالي بالإضافة  الفنانة فيفيان التي ذاع سيط أغنياتها في البلدين .
الأغنيات الشعبية المرتبطة بالمناسبات الإجتماعية مثل حفلات الحنة والأعراس في دولة جنوب السودان لا تختلف عن السودان  [13]( قال مصطفي  في فبراير 2014م  زرت مدينة جوبا للمرة الخامسة كانت زيارة عمل مع ثلاث  أصدقاء أحدهما فرنسي الجنسية، والآخرين كندي وزيمباوي، كان مقام النزول فندق بحي ملكال بوسط جوبا، في الليلة الثالثة خرجنا للبحث عن العشاء ولم نغفل تحذيرات الفندق بعدم السير بعيداً في توقيت الثامنة مساءاً فقد كانت وجهتنا غير بعيدة عن الفندق، تفاجئنا في ذاك الشارع الذي أُغلق بخيمةٍ للمناسبات بصوت فنانة تصدح بأغنيات السباته التي صارت مشهورة في بيوت الأعراس بالسودان، صدحت المغنية، التي أجبرتنا على ترك البحث عن العشاء للإنضمام إلى زمرة العابرين الذين استوقفهم ذاك الحدث، لتُسمعنا أغنية راجل المره ده حلو حلاه التي فشلت في ترجمتها لأصدقائي وفق كلماتها ).
لابد من الإشارة  أن الوجدان المشترك بين شعوب السودانيين لا يجب أن يُحكم عليه بأدوات سياسية، فالقطيعة السياسية والتوترات بين السودانيين لأسباب لا مجال للخوض فيها هنا تُمثل مرحلة تاريخية وأثر لعوامل سياسية محددة، فالوجدان المشترك بين هذه الشعوبـ، وظل ممثلو هذه الشعوب من الرواد يُمثلونها في محافل كثيرة، فحضور الراحل محمد عثمان وردي الملقب بـ( فنان إفريقيا الأول ) لمحفل إعلان إكتمال إنفصال الجنوب كدولة مستقلة، يُمكن وضعه في خانة التأكيد على أن الحدث السياسي لا يُمكن له أن يُحدث القطيعة الوجدانية، فهو محفور في ذاكرة الأغنيات والشجن والسلالم الموسيقية ، قصدت من هذه المقدمة أن أُشير إلى بعض الأغنيات التي تُشكل تاريخ وجغرافيا لهذا الوجدان المشترك مثل أغنية ( الأسكلا )، و( جوبا مالك عليا) و( مسافر جوبا) ( فيفان ) وغيرها من الأغنيات، الوجدان المشترك وضع لبناته على مر التاريخ السوداني، يقول عبدالكريم [14]: ( في 1972كانت هنالك زيارة للرئيس الأسبق جعفر نميري  منطقة توريت ، سبقت الزيارة بيوم دعوةٌ من قبل قائد الحامية للتجار بالسوق لحضور الحفل الغنائي المقام على شرف الزيارة والذي سيُحييه الفنانان الراحلان  عبدالعزيز أبو داود  و النعام ادم و خضر بشير ، ورغم أن مسرح الحفل هو الحامية إلا أن الدخول يظل متاحاً للسكان المدنيين )،  رابطة معجبي الراحل محمود عبدالعزيز بجنوب السودان تُشير  مدى كسر الفن للحواجز السياسية، بل الزيارات الفنية للعديد من الفنانين السودانيين أمثال الفنان النور الجيلاني والفنان شرحبيل أحمد تؤكد إرتباط الأواصر الفنية بين الشعبين.
الهوامش :
[1] ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
[2] إفادة من خالد حبيب الله ، تنحدر أصوله من مدينة أم دوم بشرق النيل ، قضى 41 عاماً بجنوب السودان و دول الشرق الإفريقي 4 أكتوبر 2016م.
[3] مقابلة مع عبدالكريم خير السيج – تنحدر أصوله من منطقة المغاوير بالإقليم الشمال سوداني قدم  لجنوب سوداني  في عام 1975م و عاش فيها  حتى 1978 قبل أن ينتقل للعمل التجاري بين مدن شرق إفريقيا بالكنغو  ويوغندا و رواندا و لم تنقطع سلته بجنوب السودان  الان – 14 اكتوبر2016م.
[4] لفظة جلابة  توصيف إقتصادي ظل يشير  إلى التجار الشمين بجنوب السودان .
[5] وفقل للموقف الثقافي في 28 سبتمبر 2016م  تحت عنوان تاريخ ومعالم ( مونو- كي الغابة و ماوي الحيات) و في سياق التقصي لمعاني اسماء احياء جوبا فقد ورد أن معنى لكمة منوكي المكونة من مقطعيين مونو –كي  يعود أصلها للغة الباريا  تعني الحية التي بالأعلى .
[6] تم تقصي الأسماء بعد مقابلة بيدال مارسيل ، طالب جامعي ، تنحدر أصوله من مدينة جوبا ، في 13 أكتوبر 2016م .
[7] إحصائية استقصاها الكاتب من الصحفي و الأديب الاستاذ أتيم سايمون 2 أكتوبر 2016م.
[8]  المصدر السابق
[9] صحيفة الموقف الثقافي -  بتاريخ    2016م.
[10] إفادة  من محمود أحمد ، اريتري الجنسية في 5 أكتوبر 2016م.
[11] سامي إبراهيم موسي ،  سوداني إريتري ، عمل في السودان ، جنوب السودان ، أسمرا، كمبالا و نيروبي 5 اكتوبر 2016م.
[12] كوتو تعني الحجر المقدس عند التبوسا ، افادة من الاستاذ السر السيد 12 اكتوبر 2016م.
[13] مصطفي (فضل حجب إسمه) ناشط حقوقي سوداني – مقابلة 5 أكتوبر 2016م.
[14]  مقابلة مع عبدالكريم خير السيد 13 اكتوبر 2016م أحد التجار السودانيين بدأ التجارة بجنوب السودان وشرق إفريقيا في العام 1966م تنحدر أصوله من مدينة شندي بشمال السودان.



 الصورة من محرك البحث قوقل 





الأحد، 6 مايو 2018

من ذاكرة الإحتجاجات

نشر بتاريخ : 3 فبراير 2018


حين أختار الشارع مواقيت خروجه ، كان الموعد الأول 16 يناير (حدائق الشهداء) بوسط الخرطوم، ما أن رفع "العسس" سياطهم بادرت أم درمان بإشعال جذوة الدعوة لليوم الثاني17 يناير لتستمر الشوارع تبث هتافها (سلمية. سلمية .. ضد الحرامية)، بجري أختارت 31 يناير و اختارت طوعا ميدان الشعبية في دواع مجيد ليناير الذي أشعل الهتاف (نحن مرقنا ضد الناس السرقو عرقنا).
مدن السودان المختلفة سطرت موافقها ايضاً، فمحامو مدينة الابيض سبقوا كل هتاف حين خرجوا في 10 يناير تعبيراً عن رفضهم لميزانية الجوع ، فزج بهم في سجن الابيض بعد الاعتقال تحت عسف قانون الطواري لقضاء سته أشهر قابلة للتجديد ، التجلة للمحامين الصناديد عثمان ورفاقه ، علي امتداد النيل قبل بلوغه ام در مان كانت ود مدني و سنجة تعلنان دوي الهتاف حد السماء ، اما شرقا جدا مدينة بورتسودان أوفي طلاب جامعة البحر الاحمر بالخروج في الموعد في تظاهرة الي وسط المدينة ، تلتها اعتقالات و بلاغات جنائية و حلق لرؤوس أربعة من الطلاب و لم يفت ذلك من عضدهم ليتكرر الامر بسوق ديم سواكن مساء. مدينة زالنجي التي "يشاع " انه تم ترحيل المعتقلين السياسيين الي سجنها لا يهم، فقد قابلتهم من قبل بالهتاف في 31 يناير لتعلن بصوت جهور تضامنها معهم و أنها ابنه الشعب السوداني وليست " سجن و منفي" ، سجن شالا بالفاشر الكبير انحازت جدرانه الي المعتقلين فلم تستطع التكتم بسر الترحيل اليها بل رحب بهم مردداً " ودونا لي شالا .. عزتنا ما شالا".
في 16 يناير خرج صديق يوسف ذو ال88 عاما بجلبابه الابيض متقدم الصفوف ، مسلح بهتاف سلمي كان علي وعي بأن الحقوق ليست منحة و ان الاحتجاج حق دستوري ، فمثله لا ترهبه المعتقلات ، أستمرت حكمة الشعب السوداني تلقن العسس دورس النضال ففي اليوم التالي 17 يناير كان الموعد بميدان المدرسة الاهلية بأم درمان ، العم ( يعقوب) الذي انتشرت صورته و هو ثابت كالطود وسط انتشار الغاز لمسيل للدموع الامر الذي جعل تلك الصورة ترتفع الي مصاف الأيقونة لهذه الاحتجاجات بسبب وجدت من اشادة و ما يوازيها من التعليق (العودة الي كرري ) فليس هنالك ما يقال سوي ان اللحظة التاريخية في طور التخلق تمضي علي مهل و تتدثر بحكمة الشارع المنحاز للتغيير .
حال بين المحتجين والوصول الي ميدان الشعبية احتلاله من قبل السلطات وشغله بما فاق الخمسون سيارة، انه لأمر يثير الشفقة فكم ميدان سيشغلون و كم ساحة ستغلق الطرق المؤدية اليها، كان الغرض من اعلان ميدان الشعبية نقطة تجمع تشريف لها بالانحياز الي رحم الشعب فان حال بينها و بين ذلك (العسس) فقادمات الايام حبلي بالانتصار.
رجال الشرطة أظهروا عنفاً غير مسبوق، كانوا يركلون ويضربون بتشفي كأنهم علي ثأر مع المحتجين، لابد من وصل العلاقة مع الشرطة عبر الشعارات الهتافات ليفيقوا من هذا التماهي، فليست هنالك بطاقات تموين تعطي الشرطي احتياجاته بربع القيمة، فهو يكابد كغيره فردم المسافة بين الشرطة و الاحتجاجات يحتاج الي التفاته لينضموا الي "ميس التضامن " . فيا أيها الشرطي (حقي ... حقك ...)
في 31 يناير عقب اعتقال الدكتور أمال جبر الله و التي سبقتها الي المعتقلات في 16 يناير ناهد جبر الله، كتب عصام جبر الله علي صفحته بالفيس بوك الجميلات هنَّ القوياتُ “بأسٌ يضيء ولا يحترق” شرف أن تكون أخو البنات .. بنات أم الحسن وجبر الله، الحرية لناهد وامال وكل معتقلات ومعتقلي حرية الراي والتعبير والضمير، " لا تعليق "
مصورون من أتقان الحرفة والانحياز الي الاحتجاجات التقطوا صوراً شكلت بداية لتراكم ذاكرة التغيير المرئية، صور حملت ملامح بلادي شيبا وشباباً نساء ورجال، صبايا وصبية، علت حناجرهم الهتاف رغم كيد" الغاز المسيل للدموع " اعتلي أحدهم صهوة جواد "الحرفنة" فتمكن من الامساك باللحظة ليبرز كم كانت " شامخة التظاهرات في بحري “.
حين طاف وكلاء الرقابة علي الصحف للإخطار بعدم نشر ما يتعلق بالاحتجاجات، قالت الميدان ..لا ... رددتها صحيفة الجريدة المستقلة و كررتها جريدة أخبار الوطن ... لم يرهبهم منع التوزيع بعد الطبع و لم يوهن من عضدهم استمرار الخسائر الاقتصادية ، فالتراكم نحو التغيير له اجنحة مختلفة و أدوار يؤديها في اقتدار القابضون علي المواقف في ازمنة الشدة .
ونواصل


الصورة من محرك البحث قوقل 

بيننا و القرن الإفريقي ... نوتة حب موسيقية

بيننا  و القرن الإفريقي ...  نوتة حب موسيقية



الصورة للفنانة التنزانية الراحلة فاكمة بت بركة الشهير ب ( بي كدوده )
إستشراف
قبل ما يُقارب الأربعة أعوام عزَّز من إلتصاقي بمكتبة الأغنية السودانية صديقي المثقف الموسوعي أمين حسب الرسول في إحدي زياراته بأن دفع تجاهي بذاكرة  رقمية حوت  كنزاً من الأغنيات، زادت من معرفتي بعمالقة لم يحظ جيلنا بحكم العمر  من الإستماع إليهم جميعاً، أضفتها إلي ما جمعت  لتكتسب مكتبتي الموسيقية سودنة كاملة الدسم، فها هو صوت خليل فرح يتربع على عرش القائمة، و ذاك سرور  يسحرني بأداءٍ جعل الذاكرة تفتح طاقة تخيلها لتوائم بين كلمات الأغنيات والحقب الزمنية التي تغنت فيها، سكنني صوت سرور بشوق لأصدقائي علي العجب المحامي والصحفية إيمان اَدم  فهما من دفعاني للإستماع إليه في العام 2007م، حينما أعدت الإذاعة السودانية أغنيات العديد من الفنانيين السودانيين و دفعت بها إلي أشرطة الكاسيت لتطلق سراحها في الهواء الطلق، تسرب عنان الذكري بشجن فوق إحتمال  طاقة الذاكرة حد إتساعها علي تلك اللحظات الخالدات وجداً و أنساً حميم مع علي و إيمان .
أما صوت الراحل محمد أحمد عوض فهو يُشجيني بروعة الأداء المدوزن علي ( الرق ) و(الطبلة)، يكشف طلاوة  التغريد من ’’ لدن’’  تطريب باهر ،  هكذا صرت أتباهي بمعرفة أداء محمود علي الحاج، و أجيالٍ و أجيالٍ، فإكتمال قاموس ’’السودنة ’’  الغنائي لم يكن  بالأمر السهل فقد أكسبني إلتقاط الوصف في دسامته المُشبَّعة ب( ياليلي هوي ياليل)، رافقت السفر طرباً برفقة قائد الأسطول مبارك حسن بركات، طرت دون أجنحة بين ’’ طيات السحاب ’’ مع إبراهيم الكاشف، و الكشف عن العتاب الشفيف من الحبيب السمير ،علي ذات طريقة أدائه  ’’ قف تأمل’’ وقفت حابساً أنفاسي  مع  الراحل زيدان إبراهيم وروعة الأداء في ’’ داوي ناري ’’  فليت الحبيب تمهل ، فاَهات زيدان أو شجن اللوعة جسدها لوحة موسيقية كاملة .
 إستشراف الصباحات مع ’’ عم عبدالرحيم’’  في حضرة راحلين ’’مقيمين في الوجدان ’’ محمد الحسن سالم ’’حميد ’’و مصطفي سيد أحمد ظل يُوازي البشارة التي تسعد الخاطر عند إقترانها بساعات الصباح الأولي، عفاريت البهجة تسكن المفاصل مقاماً حين يرتفع صوت ’’الحوت’’ محمود عبدالعزيز في ’’سكت الرباب ’’، أُمعن في عزف  الدكتور الفاتح حسين، فأغوص مردداً في حنين  ’’ طول الطريق أمشيهو كيف بين المغارب والمساء’’، بالرغم من الوقت هو ميقات الظهيرة الإ أن صوت سمية حسن برفقة كورال معهد الموسيقي والمسرح  أعاد التوقيت إلي ’’ فلق الصباح’’ ، فما أجمل التوزيع الموسيقي و ما أروع( لطيف الطيف) .
’’ الرحيل في الليل’’ عبدالرحيم أبوذُكري و مصطفي سيد أحمد، أخالها تحتاج إلي إذن للإستماع إليها فهي لوحة فنية، اللحن أسكن كل حرفٍ نوتة موسيقة كاملة، هي عندي أميز  شعر تغني به مصطفي و أروع ما سمعت، حين أهداني أستاذي و صديقي التجاني حسن المحامي رواية ’’ مرسي فاطمة’’   للروائي الإريتري ’’ حجي جابر’’قالي أخاف أن تشغلك قراءتها عنا، أفسحت لها مكاناً علي حقيبتي اليدوية التي كانت ممتلئة علي اَخرها بأن فاضلت بينها وبين الأوراق التي سأجدها علي الشبكة العنكبوتية لتستقر  علي مهل، أصاب التجاني فقد إستقرت بين يدي قبل أن تقلع طائرتي، حلق بي ’’ حجي ’’ عالياً، غصتُ متناسياً  نداء كابتن الطائرة بالإبقاء علي الأحزمة تفادياً لبعض المطبات الهوائية، تنازلت عن وجبة الإفطار التي تناولتها لأضعها جانباً فكلي مملوك ذاك العالم الساحر ، في الطريق إلي ( ساوا) داهمني الرحيل في الليل، باغتتني المرأة الجالسة علي جانبي بإلتفاته عقبتها إبتسامة حين إنتبهت فبادلتها الإلتفات لأردد في سري ( عذراً ) أنا في محرابي المقدس..
صبابة
دروك راقص يهز الكتف والوجدان في رشاقة علي أنغام  أغنيات الأمهرينه، يضرب علي الأرض كلما حرضه إيقاع الطبل لأن يفعل في دوزنة تتسق و حال الرقص المسكون بالسحر الشفيف، عرفته مسارح الرقص  في مدينة ’’جوبا’’  بجنوب السودان، مع أحدي الفرق الأثيوبية، فهو ’’ الصبي المحترف’’ الذي يستجيب لنداء أمسياتها بشلالاتٍ تتدفق فرحاً، صافحني بعد أن تولي ’’حمادة ’’  تقديمنا لبعض، و ل’’حمادة ’’  سيرة  فتيً جسدَّت حال وطن يُعرِّفه الساسة ب ’’السودانان ’’   بينما يصر عليه الوجدان نداءاً ب(سودان ما قبل الإنفصال)، سارت الشوارع تنادي عليه ب’’ حمادة’’ فذاك ما أطلقته عليه القابلة التي شهدت صرخته الأولي  بمدينة ’’ واو’’  فلازمه ظلاً وهوية، لتمضي السنون و يلتئم شمل الأسرة عند مقرن النيلين بعد أن فرقت الحرب بينها ليلتقي جده رجل الدين المسيحي الذي  غير دفة  النداء من ’’ حمادة ’’ إلي ’’باترك’’  محمولاً علي يقين ديني ، ’’دروك’’ سكنه عشق للراحل الفنان محمد وردي فأخذ في مباشرة وطدت من علاقتنا سؤالي إن كنت أحتفظ بإغنيات له، أومأت بالإيجاب فتوهجت إبتسامته بالغبطة، إستمر في إلحاحٍ محاولاً  دفعي للكشف عن أسماء الأغنيات التي بحوزتي، لم يمهلني للإجابة فأخذ مسترسلا و مستفسراً ’’عندك في أغنية 19 سنة؟’’، ثم مد حبل الثرثرة عن حفلة الراحل وردي بمدينة  أديس ابابا في العام 1994م،  عمراً يبدو دروك في نهاية العقد الثاني من العمر ، لا أحسبه ضمن من إستبد بهم الطرب في ذاك الحفل  لكنه تأكيداً لأواصر الإرتباط و المحبة جعله يُشير إليه، تركته وأنا أكثر يقيناً بأن ما سكبه الراحل وردي في ذاك الحفل دلف مرتاح الخاطر ليسكن صفحات التاريخ  الخالدات .
دمعة شوق
الساعه تستقبل الواحدة و الثلث ظهراً من الثاني من فبراير 2014م ، كنت أرقب ذاك النهر الذي ( عاكسه الخصر  ) عند مقرن النيلين ( قليلاً فمال) من علي نافذة الطائرة التي إرتقت تودع مطار  ’’ جوبا الدولي ’’ لدولة جنوب السودان ، لوح قلبي بالوداع علي المدينة التي بدأت أسقف مبانيها المكعبة علي نسق معمار شرق إفريقيا بلونها القرمزي  زاهية مع إنعكاس الخضرة التي أمتدت علي مد البصر  علي ضفتي النهر الراسي، باغتني سري سائلاً  و كم خصر  تحزم بالأناقة قبالة جوبا ؟.
أبتسمت قبل أن أهمس له  بذات ’’التون’’    يبدو أن النهر  في كمال ’’ أُبهته’’
’’سلام عليك يا إبنة النهر الفتية ’’
رددتها قبل أن تختفي ملامح ’’  جوبا ’’ رهاباً .. رهاب
’ تلك الصلاة كانت  كانت ودعاً بالستر  و أَسف علي إشتعال  فوهات البنادق التي أجبربت عصافير الطمانينة أن تفر من سمائها، و الطائرة ترتفع  بذات السرعة تدفقت المشاهد تتحكر علي وجدان الحنين، أغصان أشجار المنقي وهي تلامس صفحة النهر  عند تلك النقطة تعودت التردد  عليها بالقرب من فندق ( ٍSTAR )، قفزت الذاكرة إلي مشاهد جعلتني دون شعور أردد مقطع من الحجل بالرجل   كان ذاك تمهيداً لإستشراف ذكري قريبة من ذات الطقس، إلي  مقهي بدأت فيه كتابة رواية ’’بوتابيكا  ’’ المكان الذي داهمني فيه  ذاك الصوت المليئي بالشجن و الحنين وهو يردد، في سياق ثرثرتة الحميمة مع أصدقائه الذين تقاسمنا معهم الجلوس في المكان، بعض الأغنيات والتي استوقفتني فيها أغنية ( الحجل بالرجل )، واصل ’’دينق’’ في دفق شجونه مُتحسر اً علي ما فعلته السياسية بالوطن، مضي  يستعرض ذكرياته و الأصحاب منو  فيكم حافظ أغنية سكت الرباب ؟.
 يا غالية يا زينة حياتي
صامويل أو ( سامي) كيفما يكون الحال، مرحاباً فتقاسيم الوجه تسكنها جينات البشاشة، بينه و التقرنه طلاقة لسان يتخذها كلغةِ أمٍ أما اللغة الإيطالية تعلمها من والده حيث تدرج صبياً في المكانيكا في الورشة التي يديرها  ليتخصص في كهرباء السيارات والماكينات، إبتسم له الحظ لينهي الخدمة العسكرية في إريتريا فعبر الحدود حيث الهروب من السجن الكبير، منحته خبرته فرصة عمل سريعة مع إحدي الشركات التي تعمل في مجال المولدات الكهربائية، فجاب السودان قبل مغادرته إلي جوبا حاملاً ذكريات من  نيالا، سواكن، كسلا و الخرطوم  ولغة عربية بينها و التقرنا تقاطعات نطق الحروف، يا محمد في أغنية تقول ( يا غاليه يا زينة حياتي أنت تعرف؟ فأجبت علي الفور للراحل زيدان إبراهيم، للحظة بدأت أحاول تجسير العلاقة بينه وزيدان ذاك البريق الذي لمع من عينيه مسكوناً بإطمئنانٍ سري ليسكنني بأن دفة الونسة تسير نحو سودنة غنائية بهيجة الملامح، فرحت أُثرثر قدر طاقتي عن الراحل زيدان وتميزه و رقة أدائه، علاقته بعمر الشاعر و التجاني حاج موسي، ظل ينصت بإهتمام طيلة ما قارب الخمس دقائق إلى أن قاطعني ياخ مالك ! هو غناي شديد و الله، كان ذاك تمهيداً ليمد لي هاتفه المحمول قائلاً أنا بفتش في أغنية يا غالية يازينة حياتي لكن ما قدرت عليها،  ساعدني مشغل ال( YouTube) لأبحث في ثوانٍ عن الأغنية بصوت زيدان، فصاح مبتهجاً شكراً والله يا محمد، تركته منداحاً مع الأغنية التي لم يُشاتر في تريدها و لم ينشرق بعيداً عن إيقاع زمنها  .
سكنني الشغف في معرفة سر ( تلك الريدة)، والعلاقة التي ربطته بالأغنية، ضحك سامي قائلاً أول مره مشيت السودان في 2008، مشيت سواكن في زول قريبي مشيت معاه مطعم الأغنية دي كانت شغالة وعجبتني، مضت سنون و أنا أنتقل بين مدن السودان، أحببت غناء محمود عبدالعزيز ، صوته قوي شديد، واصل في 2011م ساقني قدري للإعتقال بمدينة كسلا، بعد أيام رافقني بالمعتقل أحد التجار القادمين من الخرطوم، تفاجأت به في صباح اليوم الأول بعد أن نهض أخذ في  ترديد ذات الأغنية التي أعادتني إلي شغفي بها عند سماعي لها في المرة الأولي بمدينة سواكن، هكذا كان حال رفيقي في  في الصباحات، ضحك  سامي ثم واصل أنا حفظت منو الأغنية لأنه كان كل يوم بيغنيها لما عرف أنو  أنا بحيها بقي يغنيها بالليل قبل النوم كمان! خرجت من المعتقل  زادي أغنية  ’’يا غالية يا زينة حياتي ’’.

فات الأوان و العشق ’’جيبوتي’’
باغتني ( السادات ) الجالس علي الجانب الآخر  بالسؤال قائلاً انت سوداني ؟ بتتكلم عربي ؟ ممكن تترجم لي اغنية؟ هكذا صوب كل تلك  الأسئلة دفعة واحدة، ترددت قليلاً فما أصعبها مهمة، فالشاب الذي يبدو في بداية الثلاثينات تنحدر أصوله من أرض الصومال لكنه تقاسم النشأه بينها و بين جيبوتي، بدأ بتشغيل الأغنية من هاتفه المحمول لأكتشف حجم الورطة التي حملها تأهب إحساسه لبدء الترجمة، سري صوت صلاح بن البادية قويا و جميلاً“ فات الآوان والإنكتب علي جبينا الليلة بان “، بذلت جهداً كبيراً في الا أُخيب ظنه، ظل يُردد بين الحين و الآخر ( مشاء الله)، أضاف أنا درست العربي عند تحفيظ القرآن لكن سوط الشيخ المرتفع في محاذاة الظهر جعلني أكره تعلمها في  ذات السياق، انتهت الأغنية ليسالني مختبراً تعرف أغنية ’’أودعكم ’’ ؟
فأسرعت مجيباً أجل إنها   للراحل سيد خليفة، تأسف لرحيلة وأخذ يسأل عن تاريخ ذلك قبل أن يفاجأني بأنه يحتفظ بصورة معه عندما زار جيبوتي في  وقت سابق، دفعت ناحيتة باغنية أندريا تؤديها الفنانة نناسي عجاج في حفل بدبي 2014م ، ليباغتني بسؤال آخر هل السودانيين عرب؟.
تادرس ... و الحنين إلي الديم
 بينها والسحر منبت حسن و جمال، وعلاقتها بالروعة شبكيات من الحسن المسكونة بالدعة، فهي عروس المدائن التي ظلت علي مدار العمر تخضب يديها الحناء، مدينة جنيف السويسرية  حاضرة في دنيا الجمال و المال و الحياه في صورتها المتحضرة، الوز علي بحيرتها يسبح كأنه يسبح بحمد الماء، كل ما فيها وحولها يجعل الروح ترتقي نحو الراحة و الإطمئنان، علي بعد محطتين من محطة (الكارنفا ) الرئيسية في اتجاه  كان لقائي بالأصدقاء الذين بادرت بالإتصال بهم عند وصولي، كان موعدنا مساء لم يتجاوز السابعة بعد، وصلت إلي المكان الذي ساعدتني الخريطة في الوصول إليه ماشيا فقد كنت أتمني أن أسير لأعرف الكثير عن تلك الساحرة، وصلت إلي العنوان الذي كان مطعماً إثيوبياً أشارت لافتته التي كُتبت بالإنجليزية باللون الأصفر ’’Awash’’، دلفت فقد كان المكان دافئا مقارنة بالجو البارد في  شهر أكتوبر ، رحب بنا صاحب المحل الذي حيا أصدقائي بمودة كبيرة، عاد بعض قليل ليخطرننا بإبتسامة مرحة بأن المشروبات التي طلبناها في البدء  لن تشملها الفاتورة، مضي المكان يحتشد بالرواد رويداً رويدا فاليوم كان مساء الجمعة، دارت الموسيقي بأغنيةٍ للراحل سيد حليفة رفعت يدي ملوحا بالشكر علي ذاك الإستقبال، مضت الأغنيات متنوعة بين الامهريه والتقرينيه والسودانية،  وقفت  علي حواف الإنصات حين لامست مسامعي أغنية زينوبا بصوت الراحل ’’محمود عبدالعزيز ’’فاستبد بي الطرب تمايلاً و أنا جالس، ذلك ما حرضه ليجعل مسار الأغنية التالية أيضاً سودانية بصوت الراحل’’ محمد وردي ’’ و التي بدأت ب :
خلاااااااااااس كبرت وليك تسعتاشر سنة .
نهضت محمولاً علي تحريض من شاب عرفته لاحقاً بإسم ’’ تادرس’’ حينما أشار بلغة الجسد المشتعله بالطرب ناحية الباحة التي يتفسح فيها المجال للرقص بعيداً عن زحام الطاولات، كان تادارس الذي إنحدرت أصوله من الهضبة الإريترية راقصاً ماهراً إمتلك ناصية الرقص ’’ الرسم ’’ بكل جسده، باغتني بعربية سليمة انا ’’ود الديم يا مان’’، عرفت منه أنه قضي بحي الديم الخرطوم خمسة عشر عاماً قبل وصولة إلي سويسرا، إشتقنا للخرطوم ياخ !  .
الخرطوم و إن طال السفر
كيف الحال يا أخي، قالها بشير الطالب الجامعي، بعد أن صادف وقوفه في مسار الحديث بيني و صديق سوداني، حيث كنا جلوساً في إسترخاء اللقاءات التي تجمع سوداني المنافي نجتر الذكريات و نحكي عن المسافة و الشجن و الغربة التي سكنت المفاصل، دلته لهجتنا علي أن يستبين لنا إنتماء للسودان، جلس علي مقربة منا في كرسي  مجاور، إنفصال جنوب السودان دفع معه قاموس جديد تردد كثيرا علي مسامعي، الخرطوم و لا جوبا ؟.
 قادم آخر  يبدو  في العقد الخامس من العمر إنضم إلي’’ بشير’’ ، الذي  سعى إلي تعريفنا به ليمنحه أسم’’ علي ’’ ، و يُضيف إلي إسمي و صديقي ’’ من السودان’’ إتسعت إبتسامته تمهيداً لإبتدار حديث ساقه شكراً للسودان والشعب السوداني علي فرص التعليم التي أُتيحت للطلاب الصومالين، مضي مسترسلاً نحن نحب الشعب السوداني، في مباغتة سأل ’’ علي ’’ عن الراحل سيد خلفيه لم يتمكن من إستحضار الإسم  إلا بعدأن إستدرجته بذكر أغنية له، فكانت أزيكم .. كيفنكم أنا لي زمان ما شفتكم، رددناها معاً  فخرج عن وقاره الذي رسمه عند مقيات الحضور الأول، بشير محاولاً الإمسكاك بدفة الحديث، ليؤكد ما ذهب إليه كل الصومالين بيعرفوا محمد وردي، جدتي كانت تحفظ كل أغانيه تحسر علي إهماله اللغة العربية التي بدأ تعلمها باللمملكة العربية السعودية  التي قضي فيها بعض من طفولة قبل أن يُغادرها إلي دولة كينيا لينفتح علي السواحلية و الإنجليزية، سار متباهياً بأن والده يعشق الأغنيات السودانية كما يتقن العربية، لقد زار الخرطوم في وقت سابق، مضي قائلاً لقد أحسن والدي وصف الخرطوم ، قبل أن يختم حديثه إن شالله يوماً ما سأزورها .
موسيقي الختام
هذا كان حالُ غنائنا وصلاُ بين كل أفريقيا رغم إنني هنا تناولت القرن الافريقي فقط، فقد كانت هنالك فرصة ذهبية ليصبح السودان مركزاً فنياً في قلب إفريقيا، فقد امتلك كل المقومات التي تُمكنه من ذلك، فهنالك كلية الموسيقي والدراما و تاريخها العريق بالرغم مما طالها خلال الثلاث عقود المنصرمة، لو أمعنا  التفكير في إقتصاد الفن لأدركنا حجم الفرص الضائعة و التي كانت يمكن أن تجعل من الخرطوم هوليود غنائية و موسيقية، فيكفي أن الراحل محمد وردي أستقبل  بعقود من الذهب شبالات عندما غني في هارقسا عاصمة جهمورية أرض الصومال و أن أستاد أديس أبابا إمتلأ علي آخره عندما صدح  في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في العام 1994م.




 مصدر الصورة صحيفة الامارات اليوم 





الاسلام السياسي و ثقافة الديمقراطية ،، قراءة في دستور 1998 - نشر بمجلة الحداثة السودانية العدد الثاني 2016



الحداحيد والغجر .. انامل نقش علي أوتار الجمال - نشر المقال بمجلة الحداثة السودانية العدد الاول 2016



الأزمة الإقتصادية ...أو المشهد الاَن



بقلم : محمد بدوي

1
الحالة الاقتصادية الراهنة و التراجع المستمر يشير الي ان السودان يمر بمنعطف خطير جداً يمثل في صورته الكلية النتيجة الطبيعية للطريقة التي تعامل بها الإسلاميين السودانيين مع الاقتصاد ، فقد  فشلوا  علي المستوي النظري في الحاق تعريف بما ظلوا يتشدقون به من مفهوم "الاقتصاد الاسلامي " علي ذات مستوي الفشل في الوفاء بشروط الانضمام الي صندوق النقد الدولي  ، ملامح التعامل مع الاقتصاد السوداني  خلال الفترة من 1989 مرت بمراحل  متخبطة بداء بتبديد الموارد (البترول ، الاراضي و الذهب و غيرها ) في تمويل الصراعات المسلحة داخليا و في بعض دول الجوار ، الفساد الذي بدأ تحت راية التمكين تم تحول الي تحلفات عمقته العلاقات الاجتماعية ،  تحميل السودان قروضا بفوائد عاليه "دلقت" في مشاريع غير ذات جدوي اقتصادية بل وصاحبها سوء التنفيذ  (بعض السدود والكباري وغيرها ) ، هذا كله في ظل واقع انعدم فيه التقارب ولو النسبي بين سجل الوارد و الصادر ، و تناسب الميزانيات المقترحة و الخدمات في سجلات الموازنة  السنوية العامة .


2
في يوليو 2017 غادر الفريق طه عثمان مطار الخرطوم دون أن يعترضه أحد الي المملكة العربية السعودية و هو الذي ظل يمثل المحرك الفعلي للدولة في الفترة من" 2013-2017" وهو الذي مكنته المناصب التي شغلها ( مدير لمكاتب الرئيس ،وزير بوزارة الخارجية و حمل رفيعة بجهاز الامن (الفريق) مكنته من الاطلاع و السيطرة علي كل ما يرتبط بشئون الدولة و ادارتها ، بداءاً من ملف رفع العقوبات الاقتصادية ، التعاقدات المالية لحرب "إعادة الامل " باليمن ، ملفات الفساد الاقتصادية   مما جعل منه الوحيد الذي أمتلك معرفة شاملة و مترابطة بتلك الملفات من زواياها المختلفة  " الحزبية ، الأمنية و الدبلوماسية " .
3
ظنت الخرطوم انها قد فاجات طه بكشف حلفائه الفريق عبدالغفار الشريف و محمد حمدان دلقو "جميدتي" حينما دفعوا بهما لاستقباله بمطار الخرطوم وتعميم صورة الثلاثي علي الوساط الاعلامية ، لكن يبدو أن المفاجاة قد اعيدت مغلفة بورق من "سلفان المفاجاة "  الي الخرطوم تمثلت في فشلها  علي ا لحصول علي "مواد بترولية " او مساعدات مالية من السعودية  ، فإن كان لابد لأي أمر من سبب إذن ليس من باب المجانية أن تتاخذ السعودية ذاك الموقف بل في تقديري أن هناك من يقف وراء الامر   يحرك  "خيوط اللعبة " لصالحه  فقد تمتد المفاجأه لتجعل من المساعدات السعودية  مشروطه بإطلاق سراح حلفاء "طه " سواء الامنيين أو  من رجال الاعمال الذين ظل يستهدفهم الأمن الاقتصادي
4

التعامل الامني مع الصراعات السياسية تعني بالضرورة عدم التناسب في محركات ادارة الصراع ، فمواجهة المعارضين لترشيح الرئيس البشير بالحملات الامنية والتهديد بقضايا الفساد امر يثير الشفقة ، لان إدارة الإسلاميين السودانيين لموارد الدولة السودانية ظل يتم علي طريقة التعامل معها كموارد تخص (الحركة الاسلامية و أجسامها السياسية ) ، علي نسق تستر حزب المؤتمر الشعبي في الفترة من (1999 -2015) علي عدم كشف الإنتهاكات التي تمت في تلك الفترة ، سيمضي الرئيس البشير و معاونيه ، فما يحدث الان ليس سوي (فيلم أكشن ) قصير سيئ الإخراج يحمل إسم ( دعوني أترشح ) .
5
 مثول النائب الاول الفريق بكري حسن صالح امام البرلمان وربط سبب ازمة الوقود بعدم قدرة الدولة علي توفير "  102 مليون دولار قيمة  استيراد وقود وصيانة  مصفاة الابيض  يمثل الحدث الثاني الذي شهده البرلمان في الاسابيع الماضية فقد  سبقه علي طريقة " القفز من المركب " وزير الخارجية السابق  الدكتور ابراهيم غندور  الذي مهد لإقالته (بإسكتش) الكشف عن العجز المالي و المطالبات علي وزارة الخارجية  فهل جاء الامر مصادفة أم ان "تحت الرماد وميض نار "؟  و لا سيما أن النائب الاول هو من اشرف علي حل جهاز الامن الشعبي !! أن صح الامر فهو يعني أن  مراكز دوائر الصراع أصبحت ملامحها "بلا مكياج "  
6
تصريح الفريق طه عقب وقت قصير من خروجه من السودان لصحيفة التيار  في 4 يوليو 2017  (الفريق طه ضاحكاً : أنا بخير وعودتي وشيكة) من اديس ابابا اثناء انعقاد قمة الاتحاد الافريقي في 2017 التي حضرها بوصفه رئيسا للوفد السعودي وخبيرا في الشئون الافريقية يبدو انه اغفل من سياق التحليل السياسي الاستراتيجي فهل يعني الرجل ما قال ؟ فسير الاحداث تشير الي أنه علي سيطرة علي مجريات الاحداث كانه لا يزال يتمتع بكل مناصبه السابقة ، فقد عادت الخرطوم بخفي حنين بعد هرولتها نحو روسيا لتعود و تمد يدها لحلف الولايات المتحدة عبر بواية السعودية طلباً للمساعدة المالية ، إذن  فلا غرابة أن وجد ممثل الخرطوم علي  الجانب الاخر من طاولة التفاوض طه عثمان  ممثلاً للجانب السعودي ( المانحين) بحكم منصبه كخبير في الشئون الافريقية .
7
لم يسجل التاريخ لمشروع تجاري النجاح إعتماداً علي القروض أو التكسب من نشاط عصابات" الفتوه " ، فكيف لنظام حكم أن يصمد بالقروض المالية (ليس من مؤسسات دولية بل من دول ) ، و التكسب من القتال بالانابة من صراعات خارجية فالتهديدات السودانية بسحب المقاتلين من اليمن  قد يدفع المجتمع الدولي الي التفكير الجدي في ( ماهيه هذه القوات) و خطرها المستقبلي المحتمل في ظل تنامي تيارات الجماعات الإرهابية التي تستطيع الإستقطاب عبر  الإغراء المالي ، الامر الذي يجعل من دعم تفكيك تجربة الاسلاميين السودانيين و السلطة أمر في خط "التماس" .

 الصورة من محرك البحث قوقل 

السبت، 5 مايو 2018

القطط السمان ... أو سباق ال 100 متر

نشر بتاريخ : 3 مايو 2018

المتابع للشأن السوداني المرتبط بتقرير المراجع العام لابد له من الوقوف علي ما ظلت تشير اليه تلك التقارير من ظواهر الفساد المالي التي ظل نطاقها يتسع في ظل غياب للمحاسبة سواء الإدارية أو القضائية ، و لعل السبب وراء ذلك كونها نتاج لسياسة التمكين السياسي الذي مثل فلسفة و مرجعية للحزب الحاكم ، باخذ تقرير المراجع العام لعامي ( 2016-2017) علي سبيل المثال لا الحصر فقد أشار إلي تنامي ظاهرة الفساد المالي الي درجة وصل معها الأمر الي مرحلة (التشبيك ) ، ما يسند كون الفساد أصبح إذاء هذا المشهد في 2017 شكل رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر لجنة من "50" عضواً لمتابعة تنفيذ التوصيات التي أقرها البرلمان بشان ما جاء في تقرير المراجع العام لسنة 2017 ، غرابة الامر في ان الامر الطبيعي احالة الامر للمحاسبة الادارية او القضائية بعد كفالة كافة الاجراءات التي تسبق ذلك من تحقيق و توفر بينات ، في قرار رئيس البرلمان بتشكيل تلك اللجنة قصد بها التعامل الحزبي مع الامر فغالب قوام البرلمان من عضوية الحزب الحاكم لينتهي الامر علي نسق سيناريو " خلوها مستورة"

(2)

ما ظل يتردد في الاعلام عن عزم الرئيس عمر البشير للتصدي للفساد عبر استهداف "القطط السمان " تصريح يستحق الوقوف و التامل فالقطط سماناً وضعافا علي إرتباط بالفساد لا يخرجون من دائرة الحزب الحاكم ، بل الأمر لا يحتاج إلي تصريح لكن بالنظر الي الأمر سياسياً يتطلب معيار لتتميز بين القطط السمان و الضعاف ، فلا أجد اي معيار لذلك سوي الموقف من تأييد أو معارضة ترشيح الرئيس البشير لانتخابات الرئاسة لسنة 2020 مما يجعل من مقولة "القطط السمان في مدلولاتها تمثل تلخيص لفكرة التعامل المخنزلة في قصة " الحمار والجزرة )

(3)

ما ظل يتصدر وسائل الاعلام من اعتقالات لبعض الجالسين علي قمة بعض الموسسات المالية من رجال الحزب الحاكم بالاضافة الي معلومات تداولتهاو سائل التواصل الاجتماعي تشير الي قوائم لعقارات و أموال منقولة لبعض رجال الحزب الحاكم و لا سيما الذين يعتبرون من المعارضين لترشيح الرئيس البشير تشير الي صراع خفي يحاول ترويض الموقف لصالح الرئيس البشير ،

، الامر الذي يجعل من تصريحات الرئيس بمحاربة الفساد تكشف عن ان نموذج (بطاقة الاقتراع ) للانتخابات محدودة الخيارات فهنالك خانتين للتصويت "القطط السمان " "، القطط الضعاف" و لا عزاء للشعب السوداني خارج عضوية الحزب الحاكم

(4)

اختزال محاربة الفساد "في القطط السمان" محاولة لحجب الصورة الحقيقية لذلك فالامر يرتبط بسجل ال29عاما من ناحية الزمن أما من حيث الشكل فقد تعددت الأشكال من تبديد للموارد ( البترول ، الذهب ، الأرض )بطرق مختلفة هدفت الي تمكين الدولة الدينية قبل أن تتحول إلي " التمكين الفردي المسنود بتطابق موارد الحزب و الدولة " ،الامر الثاني حرمان الصرف علي الخدمات في الموازنة العامة يشكل نموذجاً اخر ، يل دعونا ناخذ نموجا اخيراً ما مصير الاتهامات التي دفعت بها حكومة جنوب السودان تجاه الخرطوم في 2012 باخذها دون علمها من نفطها والتصرف فيه ، فالنظر الي الفساد كظاهرة يمتد ليشمل الحرمان من الرفاهية للشعب فهل فعل ذلك القطط السمان ام " حركة و حزب القطط السمان"؟

(5)

محاولة نسخ تجربة اللملكة السعودية بالإعتقال التعسفي دون توجيه تهم سواء لشاغلي مناصب في الدولة أو القطاع الخاص علي ارتباط بالحزب الحاكم وصراعاته من اجل اجبارهم علي المفاضلة بين التنازل عن بعض ما ايديهم " دون الخوض في المصدر " أو " الوقوف الي جانب ترشيح الرئيس " و بين الخيارين يمكن إطلاق السراح لا يمثل محاربة للفساد بل يصب في سجل صراعات الحزب الحاكم و السلطة ، محاربة الفساد تعني ضمان محاسبة عادلة و علنية و نزيهة

()

مسرحية القطط السمان كما اشرت ليست سوي الهاء و لعب علي الزمن ، فقد تم تعديل الدستور عدة مرات دون ان يعترض نائب بالبرلمان ، بل يشير الراهن الي تحولات في مراكز التحالفات وفقا للمصالح ، اضف الي ذلك ان الفساد قد ذهب ابعد من تصور الشارع السوداني فلم يعد يمثل امتللاك لعقارات في مواقع استراتجية داخل السودان او ارصدة بالجنيه السوداني ، فهناك عده طرق اخري تحفظ

، تحويل بطرق يصعب تتبعها او عبر اخضاع الاموال محل الفساد لدوائر عمليات غسيل الاموال بما يخفي اصلها ، اذن خلاصة ما يجري من تصريحات عن استهداف القطط السمان ليس سوي لعبة سياسية اشبه بسباق ال100 متر جري الذي يستغرق ثوان طالما ان خيار تاييد انتخاب الرئيس هو مخرج الطواريء

الصوؤة من محرك البحث قوقل 

عبدالكريم "أبوسروال" : وداعك علي خاطر الإنتظار (5-5)

أبوذكيه الذي بدا حياته بالنقل البحري لينتهي به الحال تاجرا بالكنغو تتردد سيرته كثيرا، سالته يا عبدالكريم قالوا كنت من السواقين بين الكنغ...