السبت، 5 مايو 2018

السودان و حرب اليمن : (شتان ما بين الرصاص و قلم الرصاص )

نشر بتاريخ : 29 اكتوبر 2017


  • بقلم : محمد بدوي

    شهد تاريخ السودان ، قبل و بعد الإستقلال ، مشاركة جنود من الجيش السوداني في مهام عسكرية (قتالية وفنية) مختلفة في أنحاء متفرقة من العالم علي سبيل المثال لا الحصر فرنسا وقبرص بقارة أروبا ، المكسيك بقارة أمريكا اللاتينية ، أثيوبيا ، إريتريا، يوغندا والكنغو بالقرن الافريقي ، الحجاز و سوريا ، الكويت ، مصر و ليبيا بشمال إفريقيا ، جميعها جاءت في سياقات إرتبطت بخضوع السودان للإستعمار الإنجليزي و من ناحية اخري تحالفات الحربين العالميتين الأولي و الثانية .

    جاءت المشاركة الأولي 1831م في كل من سوريا و الأناضول حين استعان بها محمد علي باشا في حروبه الخارجية ، ثم في الفترة من 1854-1856م شاركت قوات سوادانية في حلف تركيا لمواجهة روسيا في حرب (القِرم )، عقب ذلك في 1863 م جاءت المشاركة الثالثة إلي جانب فرنسا بالمكسيك .

    إتسع نطاق مشاركة القوات السودانية في فترة الحربين العالميتين الأولي و علي وجه الخصوص الحرب العالمية الثانية ، حيث اشار سجل المشاركات الي ، قطاع الحجاز ، فرنسا و شمال يوغندا ، كسلا في 1940 ، كرن ، قندر ، 5 مايو 1941 عاد الأمبراطور هيلاسلاي إلي أديس أبابا قادماً م انجلترا تحت حراسة قوات سودانية ، ثم في العام 1941 ساهمت وحدات الإستطلاع العسكرية السودانية في تمهيد الهجوم علي كل من الكفرة وجالو بليبا ، كما شهدت مناطق الصحراء الغربية مشاركة (أورطات ) من وحدات المهندسين والاشارة و السجن الحربي في كل من مصر ، طبرق ، بنغازي و طرابلس الغرب .

    في فترة ما بعد إستقلال السودان 1961-1963 م شاركت القوات السودانية ضمن الكتيبة العربية المشتركة بالكويت ، الي جانب مشاركتها حرب اكتوبر 1973م ثم لبنان في 1976م ضمن قوات الردع العربية .

    في العام 1984م قدمت القوات المسلحة مساعدت لوجستية كبيرة للرئيس التشادي السابق حسين هبري حتي وصوله الي كرسي السلطة بأنجمينا ، علي ذات النسق في العام 1991م قدمت المساعدة لكل من اسياس افورقي للوصول الي اسمرا، ولاحقا في ذات العام إدريس دبي الي انجمينا خلفاً لحسين هبري ، في 2006 م وصلت المعارضة التشادية الي اسوار القصر الرئاسي بانجمينا بدعم لوجستي وفني عسكريين من القوات المسلحة السودانية ، ثم في 2013م قادت مليشيات ( حرس الحدود) الدعم السريع حاليا قنصل افريقيا الوسطي بمدينة نيالا بولاية بجنوب دارفور لتنصبه رئيساً لافريقيا الوسطي .

    سجل مشاركة القوات السودانية في بعثات حفظ السلام شملت كل دولة الكنغو في العام 1960م .، 1979 لجنة مراقبة وقف اطلاق النار في تشاد ، في النصف التاني من اكتوبر 1989 في نامبيا بعد استقلالها من انقولا .

    (2)

    كليتا الشرطة و الحربية السودانيتان ظالتا تقفان علي التميز أسوة بالكليات العسكرية علي مستوي شمال افريقيا و الشرق الأوسط فقصدها طلاب من الشرق الاوسط من أفراد الاسر الحاكمة ، علي سبيل المثال لا الحصر، السعودية ، الأمارات ، البحرين، الاردن و عمان، قبل أن يتم لاحقاً الإستعانة بكفاءات سودانية للتدريب بالمؤسسات العسكرية في بعض تلك الدول ، الي جانب ذلك فقد استقبلت طلاب اخرين من عده دول من شمال و غرب و القرن الافريقي ( ليبيا ، الكنغو ، الصومال ، اريتريا ، تشاد و اثيوبيا )

    إنخرط الجيش السوداني في أتفاقيات دفاع مشتركة مع دول الجوار الاقليمي مثل مصر في عهد الرئيس الاسبق جعفر نميري ، ثم مع أثيوبيا في العام 2016م

    (3)

    التأثير السالب علي الواقع السياسي نتاج سيطرة الإسلاميين السودانيين علي السلطة يونيو1989م أمتد أثره علي كليتي الشرطة و الحربية، و ذلك عبر تنفيذ سياسة تفكيك المؤسسات القومية و إحلال الحزبية البديلة، فبعد (5) اشهر من الإنقلاب تم إنشاء مليشيات الدفاع الشعبي، ثم إستغلال فكرة الخدمة الوطنية (الإلزامية) المتعارف عليها عالمياً تحت فلسفة (الإحتياطي) (لإجبار الرافضين ضميريا) علي القتال في الحرب الأهلية ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان اَنذاك، تم توالت فكرة إنشاء المليشيات بإسماء مختلفة في مختلف أنحاء السودان، في 1995م اشار الراحل الدكتور حسن الترابي في ندوة له بدولة قطر بان العقيدة القتالية للجيش اصبحت الشريعة الاسلامية في اشارة الي تفكك قوميتها و اقترابها من الحزب الحاكم.

    (4)

    التنافس من الدول للمشاركة في بعثات حفظ السلام ظل يقترن بادوار سياسية واخري مرتبطة بالمساهمة في الامن و السلم الدولين وفقا لانضوائها تحت منظومات مثل الامم المتحدة ، الاتحاد الافريقي و جامعة الدول العربية علي المستوي الاقليمي.

    الراهن السوداني و سياسة الحلول العسكرية للنزاعات المسلحة في السودان أدت تناقص مساحات العيش الامنة ، فقاد ذلك في العام 2004م أن استقبل اقليم دارفور بعثة لمراقبة وقف اطلاق النار بين الخرطوم و المليشيات المتحالفة معها من جانب و الحركات المسلحة المعارضة من جانب اخر ، ثم في 31 ديسمبر2007 م استقبل السودان البعثة الهجين للامم للمتحدة والاتحاد الفريقي لحفظ السلام بدارفور و التي شكل قوامها مدنيون وعسكريون و شرطيون من دول إفريقية معظمها نالت استقلالها في تواريخ لاحقة لاستقلال السودان (26000) جندي ، ثم في 2011 استقبل إقليم ابيي المتنازع عليه بين السودانين 4200 جندي من القوات المؤقته لحفظ السلام والمنحدرة اصولهم من دولة اثيوبيا.

    (5)

    في العام 2015م وعقب الانتخابات العمومية السودانية برز تغير في تحالفات الحزب الحاكم السوداني بالتحول من معسكر جمهورية ايران بعد تحالف دام (26) عاماً ، الي معسكر التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، لاسباب اقتصادية و سياسية نتاج لتاثير الضائقة الاقتصادية التي فشلت الحزم التقشفية في 2012-2013 في السيطرة عليها، حيث كانت الخرطوم تبحث عن مساعدات مالية ثم علي المحور السياسي بدء التفاوض لرفع العقوبات الاقتصادية الامريكية المفروضة منذ العام 1997م، اذاء هذا المشهد و في ظل سياسية الادارة الامريكية بعدم تكرار اخطاء المشاركة المباشرة في صراعات القرن الافريقي الصومال و التي فقد فيها الجيش الامريكي العديد من الجنود الامر الذي اثار حفيظة الراي العام الامريكي اسندت مهمة حرب اليمين الي التحالف الخليجي الذي بدوره، الذي وجد ضالته في الخرطوم التي كانت لم تتوان في الدفع بقوات سودانية فاقت ال ال8000 الف مقاتل.

    (6)

    كشفت تغريدة علي التويتير من حساب الفريق محمد حمدان دلقو ( حميدتي) قائد مليشيات قوات الدعم السريع أن القتلي من القوات السودانية المقاتلة باليمن بلغ (426)

    ثم في 21 اكتوبر 2017 حملت وسائل الاخبار عن اشتباكات عنيفة بين القوات السودانية والاماراتية باليمن نتج عنها حتي ذاك التاريخ مقتل 80 من القوات السودانية و (3) من القوات الاماراتية ، ليبلغ العدد الكلي للقتلي من القوات السودانية 506 قتيل و هذا العدد اقل بكثير من جنود بعثة حفظ السلام بدارفور الذين لقو مصرعهم في حوادث مختلفة منذ العام 2007م .

    القتال في اليمن لا يزال يشهد اقبالا كبيرا من قبل مليشيات الدعم السريع للدرجة التي بلغ فيها الامر حد اجراء (قرعة) بين الراغبين للقتال في اليمن في بعض القواعد العسكرية باقاليم دارفور ، الهدف الاساسي يرتبط بالكسب المادي فراتب الجندي بالعملة السودانية يبلغ 3500 ، 4000 للعريف ... 6000 للملازم و 8000 جنيه للنقيب ،بينما يتقاضي المقاتل الملتحق باليمن من الجنود علي 600000 جنيه سوداني تسلم له عند عودته نظير فترة الست أشهر

    (8)

    بالنظر الي الصراع اليمني في تقديري أنه مهما تطاول أمد الأزمة ليس هنالك من سبيل للإستقرار سوي عن طريق الحل السياسي السلمي ، من ناحية تانية رغم خفوت اتهامات انتهاك حالة حقوق الانسان بين الاطراف سيطل الامر في المستقبل و حينها قد تشير الادعاءات الي اطراف متعددة ؟ ستظل حرب اليمن احدي ( اسوء الحروب) في التاريخ الحديث لارتباطها بتدمير لبنية الحضارة اليمنية التي تعتبر من اقدم الحضارات ( لوقوعها تحت مرمي نيران الاطراف)

    كما يجب ان نتذكر ان العلاقة السودانية اليمنية تقف علي حواف التنوير حيث مثل العام 1980م بداية ابتعاث السودانيين للعمل في مجال التعليم باليمن ف ( شتان ما بين الرصاص و قلم الرصاص) مما يتطلب اعادة النظر الي العلاقات السياسية و الادوار العسكرية للسودان في سياق ازمات دول الجوار ، وايلاء الاهتمام باعادة الاعتبار للموسسات العسكرية والشرطية بتاهيلها قوميا في سياق الحل الشامل للازمة السودانية ، وعدم استخدام القوات السودانية النظامية المختلفة في الصراعات التي تحركها دوافع سياسية أو مالية .

رفع العقوبات : أو الحصاد (الُمر) لتجربة الإسلاميين السودانيين و السلطة

نشر بتاريخ : 12 اكتوبر 2017


  • بقلم : محمد بدوي
    قرار رفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية المفروضة علي السودان منذ العام 1997م شكل الحدث الإعلامي الأبرز عالميا في الاسبوع الأول من شهر أكتوبر 2017م ، بل سيظل يسيطر علي الصدارة ربما طيلة الأسابيع المتبقية منه فالأمر لا زال في طور ( الفرحة السياسية ) علي المستوي السوداني ، فمن الراجح أن العديد من أجهزة الإعلام علي كافة المستويات ستعمل علي تتبع الجهود السياسية بغية الكشف عن الصفقات غير المعلنة بين الطرفين بالإضافة إلي تقصي مستقبل العلاقة السياسية بينهما بالاضافة الي إنعكاسها علي المحيط الإقليمي و ذلك سواء بمحاولات إستنطاق (الوفد السوداني ) الذي أشرف علي عملية التفاوض مع الجانب الأمريكي ، أو استضافة قادة سياسيين معارضيين من الجانب السوداني ، من الراجح أن أن المشهد سيمتد إلي الجانب الأمريكي الذي سيشهد سجالات إعلامية في نطاقات سياسية و إقتصادية حول جدوي القرار و إنعكاسه علي المصالح الأمريكية
    (2)
    قد لا يغيب عن المشهد مناصري تعزيز ثقافة وحماية حقوق الإنسان وجهات نظرهم التي برز نطاقها قبل رفع العقوبات في مناهضتها للأمر إستناداً علي السجل السوداني في الإنتهاكات ،المشهد بكاملة سيمثل (جرد حساب) لحصاد جماعات الإسلام السياسي في علاقتها بالراسمالية التي تبدأ بالتعاون كما في حالة تنظيم القاعدة أو العكس في حالة النموذج السوداني الذي بدأ بالعداء للولايات المتحدة محمولاً علي الايدلوجيا الدينية ، لكن رغم ذلك تظل النتيجة النهائية أن وجودها يظل رهين إخضاعها بطرق مختلفة مثال تراجع الخرطوم ( حتي لو تكتيكياً ) من موقفها في التعامل مع قضايا الردة مؤخراً ،و بشكل اوضح بعد 28 عاماً حمل الاسلاميين السودانيين الدولة السودانية الي دفع تكلفة رفع العقوبات الامر الذي سيفرز واقع يصعب الخروج منه بيسر ، فاحداثياته ستلقي بظلالها علي ( مفهوم السيادة) الامر الذي يعزز من الحصاد السياسي ( المُر) لتجربة الاسلاميين السودانيين و السلطة في السودان .
    (3)
    واصلت الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب في أثر الفلسفة التي هيأ لها سابقه باراك أوباما قبل مغادرتة للبيت الأبيض من تعزيز خارطة التحالفات في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا بما يضمن نفوذ سياسي و إقتصادي أوسع في ظل السباق التنافسي مع روسيا ، عمل ترامب علي التمديد المؤقت لفترة الثلاثة أشهر في يوليو 2017م في تقديري بغرض وضع بصمته علي الملف فيما يتعلق و الدفع بمزيد من الشروط نحو الطاولة وفقا للمستجدات السياسية ، الجهود السودانية في ملف رفع العقوبات كشفت إجتياز الإختبار الأساسي المرتبط بأن لا خطوط حمراء تقف عندها الخرطوم بل أن التنازلات يمكن أن تمتد الي ما ظل محصنا في خانة (الايدلوجي) تمثل في قبول الدور الإسرائيلي المساند للخرطوم، الذي قصد الترويج له علي المستوي الإعلامي الإسرائيلي لاختبار قدرة الخرطوم علي حمل الحركة الإسلامية السودانية بقبول الامر الواقع ليثور السؤال هل ستمضي الخرطوم في تطبيع رسمي للعلاقات و الغاء قانون منع السفر لاسرائيل لعام 1983م الساري رغم غياب اثره من اغلفة جوازات السفر الالكترونية ،
    (4)
    تمكنت الإدارة الأمريكية من تحقيق مكاسب إرتبطت بالنفوذ السياسي و تمثلت في إجبار الخرطوم علي عدم التدخل في الشأن الجنوب سوداني الأمر الذي جعل من جوبا تلتقط الرسالة في تجسير العلاقة و لو شكلياً مع الخرطوم في محصلة تشير إلي أن البوصلة السياسية للإدارة الأمريكية تفكر في التعامل مع قضايا الدولتيين (ككتلة واحدة) علي نسق (السودانبين)،بالرغم من أن الشرط المرتبط بقطع العلاقات مع كوريا الشمالية جاء لاحقاً الا أن الخرطوم لم تتوان في تنفيذه بل ذهبت إلي (عرض حال ) حين كشفت عن المعلومات المرتبطة بالتعاملات المالية ، يظل من المكاسب السياسية الوجود الدبلوماسي و الامني للادارة الامريكية بالخرطوم و التي بحكم موقعها المميز افريقيا ستضعها في وضع أميز من روسيا والصين .
    (5)

    من الراجح أن الإدارة الامريكية في مسار رفع العقوبات ( قد أعادت شريط ) علاقتها بالنفط السوداني بدأ في العام 1983م ،و التطورات التي قادت إلي خروجها ( خالية الوفاض) و الاثر اللاحق للعقوبات الإقتصادية التي هيأت للصين فرصة إقتصادية تاريخية في العملية المزدوجة التي تمثلت في تمويل إستخراج النفط و ثم التعامل فيه، موردي الذهب والمعادن الأخري و القطاع الزراعي يشكلان الفرص المتاحة في الموارد السودانية بالرغم من مغازلة الخرطوم في وقت سابق للصين و روسيا فيم يختص بمنحهما إمتيازات التنقيب لكن واقع رفع العقوبات سيضع الولاليات المتحدة الامريكية في المقدمة، أضف إلي ذلك أن ميناء بورتسودان يشكل الضلع الثالث لمينائي (بربرا ) بإرض الصومال و ( مصوع ) بدولة ارتيريا و اللاتان تسيطر عليهما دولة الأمارات العربية المتحدة الحليفة للإقتصاد الأمريكي .
    (6)
    بالنظر الي شروط رفع العقوبات علي المستوي السياسي الداخلي يمكن الركون الي شرط حظر القصف الجوي و الذي ظلت الخرطوم تعتمد عليه في مواجهة الصراعات المسلحة في المناطق الثلاثة دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة ، مما يشير إلي أن المعادلة قد تتغير بدفع الاطراف السودانية الي حل يعزز من بقاء السلطة الحالية لتحقيق مزيد من المكاسب للإدارة الامريكية عبر إستثمار علاقة الخرطوم مع الجماعات و التنظيمات الإرهابية بالاضافة الي المكاسب الاقتصادية التي أشرنا اليه عاليه، و لعل هذا يفسر تجاوز رفع العقوبات للوقوف في سجل حقوق الإنسان و العدالة الدولية .

    (7)
    حزم سياسات التمكين مثلت المرحلة الأولي في تفكيك العلاقة بين الإقتصاد و الدولة حيث التحول الي صيغة المنفعة الحزبية و الفردية، في ظل تلك المعادلة جاءت العقوبات الإقتصادية لتلقي بظلالها علي المشهد، رغم ذلك برز الأثر بوضوح للجمهور اثرها في غياب التقنيات المرتبطة بقطاعات النقل و الصناعة و إستخراج النفط فقاد تكامل المرحلتين الي إنهياره، إنعكاس ذلك علي الجمهور إيجاباً رهين بعملية الإصلاح الاقتصادية الشاملة كما وصفها صندوق النقد الدولي حيث يتطلب الأمر إعادة تاهيل كاملة قد تقارب تكلفتها ذات تكلفة التأسيس من مرحلة أولية مع الأخذ في الإعتبار التطورات التي عززت من فرضيتها واقع الثورة التقنية الرقمية ، إلي جانب ذلك الاسباب الرئيسية التي قادت إلي الأزمات وهو امر يصعب إصلاحه الا في ظل حل شامل للأزمة السياسية كضمانة لديمومية الاصلاح الاقتصادي ، تعبيد المسار نحو صندوق النقد الدولي (بتطلب جراحة اقتصادية ) ممثلة في تحدي رفع العقوبات رفع كامل عن الدعم الحكومي للسلع بمعني اخر تحرير الدولار بما يعني بوضوح عودة المشهد الي السياسات التي تراجعت عنها الخرطوم في نوفمبر 2016م ، و يجب التذكير بان القطاع الخاص الوطني تراجع دوره محمولاً علي ذات الاسباب الكلية للازمة السودانية الأمر الذي يشير ظهور قطاع خاص مرتبط بالسلطة كفاعل أساسي في الاقتصاد يعزز من مصالحه المرتبطة بالسلطة و الطبقة المتحالفة معها، و ضامن لإنفاذ السياسات الإقتصادية التي تصب في مصلحة الرأسمالية .

طالبي اللجوء الإرتريين بين سندان ( عصابات الاتجار في البشر و الابعاد القسري )

نشر بتاريخ: 2 اكتوبر2017

بقلم : محمد بدوي
في البدء لابد من الإشادة بجهود الفرقة 11 مشاه بالقوات المسلحة السودانية بولاية كسلا ، شرقي السودان ، بقيادة اللواء محمود همد التي تمكنت في يوليو 11 2017م من تحرير (71 من اللاجئين الإرتريين من قبضة أحدي عصابات الإتجار بالبشر مكونة من (7) أشخاص ، بمحلية ود الحليو بولاية كسلا ، تستحق جهود القوات المسلحة التقدير في إطار الواجب ، قبل الخوض في مصير الناجيين تجدر المقارنة بين ما قامت به الفرقة (11) مشاه و بين إتفاقية الخرطوم في أُغسطس 2016م و التي بموجبها إعتمد الإتحاد الاروبي لحكومتي السودان و ارتيريا 155مليون يورو تحت عده بنود منها مشاريع تنموية للحد من الهجرة غير الشرعية ، أهم بنود الصرف في تقديري من ذات الميزانية أنه تم الدفع بمليشيات الدعم السريع لمهمة حراسة الحدود بين السودان و ليبيا من الهجرة غير الشرعية ، في تقديري أن التاريخ القريب يثير هذا الاتفاق في كونه جاء قاصراً من قبل الاتحاد الاروبي فبدلا من توجيه التمويل ليتم استخدام قوة نظامية رسمية في الامر تم استخدامها للدفع بمليشيا الدعم السريع لكي تنال اعتراف دولي دون الانتباه لسجلها المرتبط الانتهاكات في ازمات أقليم دارفور و النيل الأزرق و جبال النوبة ، و علي وجه الخصوص بما يصب في تعزيز الحماية القانونية علي هذه المليشيات بما يعرقل عمليات المحاسبة و الانصاف التي لا غني عنها في مسار التسوية السياسية للازمة السودانية .
(2)
لتتبع مصير ال 77 لاجئي ارتيري الذين تم انقاذهم من قبل الفرقة مشاه بولاية كسلا ، يجب ان نشير الي ان قانون اللجوء السوداني لعام 2014م قد حمل في مادته 30 امتيازاً للعابرين الحدود من الارتيريين وفقا لذلك فقد عملت الفموضية السامية للاجئين علي إنشاء أربعة مراكز استقبال للاجئين علي الشريط الحدودي الشرقي علي امتداد ولايتي القضارف و كسلا شرقي السودان يتم فيها استقبال اللاجئين بما يضمن تمتعهم الاولي بالحماية القانونية بوصف اللاجئي قبل النقل للمعسكرات التي تبلغ 4 معسكرا باقليم شرق السودان ايضا ، و ذلك علي خلفية الظروف السياسية بدولة ارتيريا التي تفرض قانون للتجنيد العسكري ، بالاضافة الي ان الترحيل للعابرين للحدود يخضعهم لما يخالف اتفاقية مناهضة التعذيب التي اقرتها الامم المتحدة التي تعمل علي مناهضة التعذيب و العقوبات القاسية والمذله و الحاطة للكرامة ، بناء علي ذلك فالامر الطبيعي بعد التحقق من الدول التي ينحدرون منها يجب تسليمهم لمراكز الاستقبال التي بدورها تتمكن من تصنيفهم و التقرير في اوضاعهم وفقا للقانون السوداني لعام 2014م .
(3)
في 18 اغسطس 2017م مثل 66 من المحررين ال 71و الذين مثلوا 35امراه و 31 من هم دون ال18 عاماً امام المحكمة العامة لجنايات كسلا برئاسة مولانا الصادق عبدالرحمن قاضي الدرجة العامة ان ذات المحكمة التي التزمت جانب المهنية و القانون رفض محاكمتهم لامر بديهي فالمادة 7 (1) من القانون تشير ان علي السلطات السودانية عندما ياتيها شخص يبحث عن الحماية الدولية يجب عليهم أرشاده فوراً الي أقرب مكتب لمفوضية اللاجئين بغرض النظر في طلبه اضافه الي ان القانون يمنح الحماية لطالبي اللجوء وعدم معاقبتهم علي وجودهم في البلاد أو دخولهم بطريقة غير شرعية بشريطة ان يقدموا انفسهم للمفوضية او اي سلطة اخري وطنية خلال شهر ، لاحقا في 28 اغسطس 2017 مثلت ذات المجموعة مره اخري امام ذات المحكمة العامة لتتم ادانتهم لمخالفة المادة 30 (التسلل) من قانون اللجوء السوداني لسنة 2014م حيث وقعت بعد الادانة عقوبة السجن شهرين و الابعاد ، في اليوم التالي 29 اغسطس 2017م تم ابعاد ال31 طفلا الي دولة ارتيريا لعل ما تم جاء يعبر عن الحرمان من الحق في الاستئناف في مخالفة واضحة لقانون الاجراءات الجنائة السوداني 1991م ومعايير المحاكمة العادلة ، الي جانب البقاء بحراسة الشرطة في الفترة ما بين 18 اغسطس الي 28 اغسطس 2017م تندرج تحت الاعتقال غير المشروع ، هذه الامور تفرض واجبا علي رئاسة الجهاز القضائي بولاية كسلا بفتح تحقيق حول الامر لانها مدئيا تمثل انتهاك لسيادة حكم القانون و القاعدة الجوهرية (لا جريمة و لا عقوبة الا بنص) ،بالاضافة الاعتقال غير المشروع وفقا للقانون الجنائي السوداني لسنة 1991م الي جانب مخالفة قانون اللجوء لسنة 2014 م و قانون الطفل السوداني لسنة 2010م بل يذهب الامر الي مخالفة روح الميثاق الافريقي لحقوق الانسان و ميثاق حقوق الطفل الافريقي ، الي جانب ان السودان من الدول الموقعة علي اتفاقية الامم المتحدة لعام 1957 (اوضاع اللاجئين) وبرتكول عام 1997م و اتفاقية 1969 الجنوب الخاصة بمشكلة اللاجئي في افريقيا .
(3)
الدور المنوط بكل من المفوضية السامية للاجئين التابعة للامم المتحدة و المفوضية الوطنية السودانية للاجئين يفرض عليهم القيام بادوار الحماية هذا ليس تقليلا من دورهم البارز لكن هذه الحادثة تتطلب توضيحا يستند علي تحقيق شفاف يكشف عن اسباب تقاعسهم عن معالجة الامر ، وهو امر ليس بالصعب او العسير فكلاهما لديه تفويض يمنحه الحق في ذلك ، لان المشهد العام يشير الي ادوار متعارضة الفرقة 11مشاه التي قامت بدورها بشكل محترف قام بذلك تنفيذا لتفويضه ، و بالتالي فهو دور يسنده دور كلا من المفوضتين السامية و الوطنية ، تقاعس الاخيرتين و سير المحاكم الجنائية في المحاكمات سيراكم من نشاط العصابات التي تعمل في مجال تهريب البشر لانه ببساطة قد يكون الاتفاق بين المتسليين و المهربين يحظي باحترام يتم معه التسلل الي داخل المدن او دول اخري بدلا خطر المحاكمات الجنائية والابعاد ، اذن هنالك اربعة اطراف في المشهد / منفذي القانون ، مسئولي الحماية المدنية (المفوضيتين) ، القوات المسلحة –العصابات ووسط هذا المشهد الضحايا –او الناجين فكيف يجب ان تعمل هذه المعادلة؟ ساترك الاجابة للاطراف المشار اليها دون اغفال حكومة ولاية كسلا و لجنته الامنية .
(4)
حالات الابعاد المتكررة و التي ظلت في غالب الاحيان بعيدة عن تناول الاعلام ربما جعلت المفوضيتان تتقاعسان عن دورهما بشكل ظل يشكل تراجعا كبيرا يهدد امن وسلامة اللاجئين ففي 12 اغسطس تمت محاكمة 10 من اللاجئين الارتريين امام محكمة بورتسودان الجنائية في 10 أغسطس 2017م و تحويلهم الي سجن سوبا بالخرطوم في اغسطس 12 ، 2017 توطئة لابعادهم الي اريتريا ، تزايد حالات الابعاد يشكل خطرا حقيقيا علي حياه اللاجئين حيث أن الارتريين بين اعمار 18-40عاماً يعتبرون خاضعين للخدمة العسكرية و التهرب منها يتبر يمثابة الخيانة في نظر السلطات الإرترية .
(5)

السودان كدولة معبر للاجئين يمكن تصنيفه من احد اكبر المعابر في افريقيا ، وهذا الدور وفقا لاقتصاد اللجوء و الهجرة غير الشريعية يضعه في وضع يجعله يتفاوض مع المنظمات الاممية لفرض شروط افضل للخدمات و الحصول علي امتيازات اكبر ، وضع شروط علي تمويل مادي شهري للاجئين يمكنهم من العيش حتي تكتمل اجراءات لجوهم الي دول ثالثة وهو الامر الذي سيقلل من الضغط الاقتصادي علي الدولة من جانب اخر فان صرفها سيرفع من الوضع الاقتصادي كمصدر دخل للدولة ، وهذا يمكن يشمل جميع اللاجئين من الدول المختلفة المتواجدون بالسودان ، بدلا من الرجوع لاتفاقيات قصيرة الاجل و مخالفة للقواعد العامة للحماية و تعتبر اقرب للفلسفة السياسية من العمل الانساني (اتفاقية الخرطوم )
(7)
هنالك نماذج تسند ما ذهبنا اليه في الفقرة عاليه و هي تجربة المفوضية السامية للاجئين بدولة مصر فقد ظلت الي ما قبل العام 2005 تقدم الاعانة المادية للاجئين المقيمن بالمدن ، حظي اللاجئين السوريين بمصر بمساعدات شهرية بلغت 1200 للاسرة وسله غذائية ،بالاضافة الي حماية قانونية عبر قسم مختص مثل المحامون المصريون قوام موظفوه عملوا علي تذليل التعقيدات القانونية ، هذا الشكل من التعامل ياتي كنتاج للعلاقات الدولية التي تحث بعض الدول للتدخل بالمساعدات مثل حالة السوررين اعلاه و التي دعمتها دولة الكويت ، كما تحتاج الي تفاوض جاد و مدرك للاتزامات الدولية من قبل الدولة بفرض شروط علي المنظمات الدولية في تحسين بيئة اللاجئين المقيمن باراضيها و معظمهم يقيم بصفة موقتة لان وجهته دول ثالثة للتوطين ، بالنظر الي ذلك من الناحية القانونية فانه يحافظ علي حالة الامن و من الناحية الاقتصادية يجهل الدولة تنال مقابل تنفيذها للاتزمات موارد اضافية لان الاموال الممنوحة ستصرف بما يعزز الحالة الاقتصادية و بالتالي تكون قد استطاعت ان تتعامل مع الامر وفقا للاقتصاد السياسي في الجزء المرتبط باقتصاد اللجوء ، اما الهجرة غير الشرعية فلا مفر من التعامل معها وفق الاجابة علي سؤال مهم ما الذي يحول بين الدول الافريقية التي يقف الاتحاد الافريقي ممثلا لها في وضع استراتجية تتعامل مع الامر مثل الجوازات الاقليمية التي تسمح بحرية الحركة و الامتيازات التي تسهل الاستثمار، الي جانب السياسات المرتبطة بالحكم الراشد و الاصلاح الاقتصادي .

المؤتمر الشعبي ...العودة عبر بوابة المبادرات

نشر بتاريخ: 16 سبتمبر 2017

في سبتمبر 5 ،2017 كشف حزب المؤتمر الشعبي المشارك في السلطة الإعلان عن مبادرة سياسية تحت ديباجة وقف الحرب وإحلال السلام ، حتي الراهن إعلامياً فقد تم توجيهها نحو أحزاب المعارضة السياسية السلمية السودانية دون إعلان إتجاه بوصلتها من الحركات المسلحة ، أعلن المبادرة الدكتور علي الحاج محمد الذي يتقلد منصب الأمين العام للحزب في توقيت بعد أقل من 24 ساعة كما تردد في بعض وسائل الإعلام رفض رئيس الجمهورية السوداني عمر حسن البشير رفض مقابلة رئيس الوزراء الأسبق و رئيس حزب الأمة القومي المعارض السيد الأمام الصادق المهدي و وفقا لذات المصادر كان بصدد طرح مبادرة سياسية ، إذن كلا المباردتين بالرغم من إختلاف أطرافها المستهدفة حملت إعترافاً بوجود أزمة سياسية ، وهو أمر في تقديري يجد ما يسنده من منطق في موقف السيد الصادق الذي ينطلق من منصة المعارضة ، أما حزب المؤتمر الشعبي فهو بمثابة تصريح عملي بإن مبادرة الحوار السياسي (الوثبة) لا تزال أقصر قامة من المشهد السياسي في الواقع ، بل عبر عن كشف للحقائق في سياق ضعف ثقل و فعالية الأحزاب التي شاركت في ( حوار الوثية )التي ظل النظام يعلن عن عددها في تضخيم سياسي واعلامي بانها بلغت (79) حزباً سياسياً و (39) حركة مسلحة و (50) في قائمة الشخصيات الوطنية ، في تقييم لها (بكمبارس) لا حيله لها و لا أثر سياسي ، في تقديري أن كلا المبادرتين سعتا لإستباق أكتوبر 2013 الموعد المضروب للبت في مصير العقوبات الإقتصادية المفروضة علي السودان منذ 1997 م من الجانب الأمريكي ، ضبابية المشهد السياسي و عدم وجود مؤشرات شكلت أحد الاسباب التي جعل كلا من السيد الصادق و الدكتور علي الحاج الإسراع لحجز موقع متقدم في العلاقة بالنظام في حال رفع العقوبات ، بل يظل التوقيت يشير إلي أن الشعبي سارع لإعلان مبادرته محمولاً علي موقف الرئيس من مقابلة السيد الصادق ليفرض سيطرته علي المشهد لكن من زاوية نظر تمكنه من تقوية نفوذه في الساحة السياسية خارج أطار السلطة مكتسباً بذلك قوة دفع تعينه علي المناورة بعد تلمس عملياً العقبات التي تواجهه في المشاركة علي سبيل المثال لا الحصر الإغلبية الميكانيكية لحزب المؤتمر الوطني ب(البرلمان).
(2)
المراقب لمواقف حزب المؤتمر الشعبي قبل المشاركة في السلطة عبر يدرك أنه إستطاع أن يتجاوز بطريقة إحترافية الكثير من العقبات الداخلية حول الموقف بين عضوية الحزب من المشاركة في السلطة في تقديري أنه تم التمهيد لقبولها إستناداً علي أن فكرة الحوار الوطني دفع بها الراحل الدكتور الترابي تجاه الحزب الحاكم ، الامر التاني خلو المشهد في مسرح السلطة من المناوئين للحزب علي خلفية إبعاد القادة التنفيذيين من الحركة الاسلامية الذين كانوا سبباً للحد من نفوذ الترابي و إبعاده من الحزب و السلطة في العام 1999م (إنقسام الاسلاميين) ، الأمر الثالث : تراجع الدور السياسي لمجموعات الإسلاميين خارج الحزبين الشعبي والوطني و لا سيما القادة من ذوي الخلفيات الأكاديمة و المهنية الرفيعة علي سبيل المثال لا الحصر المجموعة التي اعلنت عن نفسها عقب أحداث سبتمبر 2013م تحت إمضاء المثقفين الإسلاميين .
(3)
المبادرة الراهنة لحزب المؤتمر الشعبي لا يمكن تناولها بمعزل عن خلفية نشؤها التاريخية و المرتبطة بحقيقية أن مبادرة الحوار الوطني دفع بها الراحل الترابي نحو مؤسسة الرئاسة في وقت أبكر من العام 2014م ، المراقب للأوضاع السياسية علي الصعيدين الإقليمي والدولي اَنذاك يدرك بأن الترابي إلتقط في وقت مبكر الخطر المحدق بالحزب ووضعه و المتمثل في فقدان الأخوان المسلمون للسلطة في مصر و من ناحية أخري إدراج المملكة العربية السعودية للتنظيم بوصفه أرهابي ، فسارع الي التحلل من تحالف قوي المعارضة السياسية بعد مسيرة بدأت بمؤتمر قوي جوبا التي وضعت الشعبي علي الطاولة مع أحزاب قوي الإجماع الوطني المعارضة بل في خطوة لاحقة أقترب من تحالف وثيقة الفجر الجديد ثم قرر عدم المشاركة في لحظات أخيرة قبل التوقيع عليها ، من الاسباب الأخري التي يمكن الركون إليها في سياق إنسحاب الشعبي من تحالف المعارضة التعاون بين الخرطوم و القاهرة الذي بدأ سرياً فيما يختص بحد الخرطوم من المساحات الأمنة لأخوان مصر الفارين إلي داخل الحدود السودانية ، تلك التطورات جميعها كانت ستقود إلي وضع حزب المؤتمر الشعبي علي محك الوجود القانوني عل الأقل في نطاق الإعلام المصنف للإرهاب سواء إرتكز لأسباب حقيقية التصنيف المرتكز علي الخلفيات الدينية ،فدفع الترابي بالمبادرة التي نجحت في حماية الحزب و فتح منافذ للإقتراب نحو السلطة التي حرم منها الحزب لمده شارفت العقدين .
(4)
مبادرة وقف الحرب و إحلال السلام التي كشف عنها المؤتمر الشعبي و بدأ فعلياً في مقابلة بعض أحزاب المعارضة حولها يستلزم تقصيها تتبع مواقف الحزب السياسية و لا سيما بعد المشاركة في السلطة لكي نقف علي بعض الأسباب التي تساعد علي رؤيتها في سياقها السياسي من حيث الأسباب و الدوافع ، يمكننا القول من منصة مراقب للأحداث أن الشعبي ظل منذ مشاركته في حالة مراقبة للمسرح السياسي الذي شهد الكثير من التطورات و لا سيما التي إرتبطت بأزمة مكاتب رئيس الجمهورية ( قضية الفريق طه) و ما تبعها من محاولات لإعادة ترتيب ما (أنكشف من الستر) ، أضف إلي ذلك التعثر الذي إعتري جهود الخرطوم في رفع العقوبات الأمريكية التي ظلت سارية منذ العام 1997م ، و إقتراب تقديم الخبير المستقل لأوضاع حقوق الإنسان لتقريره أمام مجلس حقوق الإنسان ، بمدينة جنيف السويسرية في 26 سبتمبر 2017 م و بالمقابل وجهود الخرطوم لإمتصاص ردة فعل المجلس للتخلص من إبقاء السودان تحت البند(10) أو في أسوء الفروض عدم التحول إلي البند_(4) الذي يعطي صلاحيات أوسع ووجود واقعي يصعب إعاقته في حركة الخبير داخل السودان إضافة إلي فرض وحده مراقبة لأوضاع حقوق الإنسان بشكل لصيق ، الأمر الذي يفسر إقدام الخرطوم علي إطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين و مدافعي حقوق الإنسان ، إضافة إلي تصريحات وزير العدل الدكتور ادريس إبراهيم جميل التي في تقديري أهمها أنه كشف عن خطة قد تنتهي في 2020م لتعديل 108 قانون .
(5)
تهيئة المسرح السياسي في تقديري هو ما دفع بالشعبي من الناحية السياسية لإطلاق تلك المبادرة ، من ناحية أخري إعلانها بعد أقل من (24) ساعة من تردد رفض الرئيس البشير مقابلة السيد الصادق المهدي تشير إلي قراءة سياسية محترفة دفعت الشعبي للكشف عن مبادرة موازية خطط لها تجاوز تكرار ما حدث مع السيد الصادق فوجهت نحو أحزاب المعارضة كمستهدفين أوائل رغم أن السلطة هي القاسم المشترك في كل الأحداث و النزاعات السياسية و المسلحة أضف إلي ذلك أن العديد من الـتعقيدات تتطلب وفاء السلطة الحاكمة تجاهها قبل الأطراف الأخري إنطلاقاً من إلتزاماتها الدستورية ، ليس بعيداً عن المشهد إنزعاج المؤتمر الشعبي من تصريحات السيد مبارك الفاضل وزير الإستثمار حول التطبيع مع إسرائيل ليس التصريح وحده مدعاه القلق للشعبي لكن رده فعل الرئاسة التي لم تجد مفراً من التعامل مع التصريح في إطار مساحة حرية التعبير التي تحظي بها أحزاب الحوار الوطني المشاركة ، فلم يتوان الشعبي في المسارعة والإعلان عن موقف مناهض ، كما فعل بتأييد دولة قطر في الصراع الخليجي الذي يقف علي طرفه الأخر المملكة العربية السعودية و الأمارات العربية المتحدة حينما غالب الصمت علي السلطة فلم تجرؤ علي إعلان موقفها إعلامياً حتي الراهن .
(6)
الرهان علي رفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية قد يمكن الشعبي من تحقيق مكاسب سياسية ليسيطر علي المشهد كوريث لأحزاب و مجموعات الإسلاميين السودانيين الذين نفذوا بإمتياز (فلسفة الإقصاء) نحو بعضهم بشكل متتالٍ في الفترة من (1999-2017)، بذات القدر الذي يزحف ببطء الشعبي نحو السلطة فالسيطرة علي الحركة الإسلامية ليس هدفاً غائباً فهو المعبر لإستعادة الوضع الإقليمي (كالمؤتمر الإسلامي الشعبي) الذي إستند عليه الراحل الترابي في تحقيق بعض روافع كارزمته ، بيان الشعبي إذاء احداث العنف بالسكن الطلابي لجامعة أمدرمان الإسلامية الصادر في( 3 سبتمبر2017م ) و التي راح ضحيتها إلي ( 15 سبتمبر 2017) ثلاث طلاب جامعيين تنحدر أصولهم من إقليم دارفور يشير الي محاولاته للإبتعاد من إرث العنف الذي سار ( حذو النعل بالنعل) مع تجربة الإسلاميين السودانيين و السلطة ، بالنظر إلي تجربة الشعبي فقد إستطاع أن يدير معركته مع حزب المؤتمر الوطني خلال ال18 عاماً الماضية بتكتيكات مختلفة لكن يبدو أنه بعد المشاركة أكثر حرصاُ علي التعامل معها أكثر إحترافاً وهو ما يفسر إنحسار التسريبات التي كانت تجد حظها لوسائل الإعلام (المواقع و الصحف الالكترونية) في أمور تثير قلق السلطة ، في تقديري أنه إعلان عن بدء للإستعداد لإنتخابات 2020 بنهج يعزز من سلامة الحزب ومصادره في المواقع المختلفة لتستعيد حيويتها .
(7)
مبادرة المؤتمر الشعبي مناورة سياسية إحداثياتها الإقتراب من السلطة و من المعارضة بما يجعلها علي رؤية كاملة للمشهد ، فبصمة الدكتور علي الحاج السياسية بدأت في الظهور مجانباً الحزب الحيرة التي أعترته عندما أخذ البعض التزاحم علي منصب الأمين العام ، فالدكتور علي الحاج الذي مثل السلطة رئيساً لوفد التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق في وقت سابق لن يقف طموحه علي الاقتراب من السلطة في الخرطوم وحدها بل في تقديري قد يسعي لضخ الدماء في المؤتمر الشعبي الجنوب سوداني في ظل الظروف التي ألقت بثقلها علي المسرح الجنوبي من التداول حول حكومة قوامها التونقراط و المحكمة المختلطة و تعيد النظر نحو الانتشار إقليميا و دوليا .

السيدان : الصادق المهدي ومبارك الفاضل .. الحزب أم السلطة !

نشر بتاريخ : 5 سبتمبر 2017

تناولت و سائل التواصل الإجتماعي خبر عن رفض الرئيس السوداني عمر البشير مقابلة السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي المعارض ورئيس الوزراء الأسبق بعد وساطة أحد الإعلاميين السودانيين كما تردد تربطه صلة بالرئيس البشير ، أشار الخبر إلي أن السيد الأمام كان بهدف طرح مبادرة سياسية ،
في تقديري أن الخبر يحمل في طياته الكثير من الدلالات السياسية ، فالبنظر إلي التاريخ القريب فقد غادر السيد الأمام السودان إلي القاهرة في 2014م عقب إنتقاده للإنتهاكات التي إرتكبتها مليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دلقو بولاية شمال كردفان ، تمت مواجهة الأمام بتهم جنائية ارتبطت بوضع المليشيات حيث تمت تبعيتها اَنذاك الي مظلة جهاز الأمن و المخابرات بعد تغير مسماها من قوات حرس الحدود الي الدعم السريع "حميد تى" ، سرعان ما بدأت الخرطوم مغازلة الأمام إعلاميا للعودة إلي السودان عقب إنخراطه في دعم تحالف قوي نداء السودان الذي شكل مرحلة متقدمة في التحالف بين القوي المسلحة المعارضة و الأحزاب المعارضة و المجتمع المدني بالإتفاق علي تفكيك نظام الخرطوم كهدف متجاوزاً سقف منفستو تحالف الفجر الجديد الذي جمع بين المعارضة المسلحة والمدنية لكنه شهد تراجع سريعاُ لتباين المواقف بعد التوقيع عليه ، تحالف قوي نداء السودان شكل أحد المحطات التي أزعجت الخرطوم سياسياً حيث يشير سجل التعاطي السياسي مع الأزمات السودانية أن الخرطوم تبادر إلي التفاوض مع الحركات المسلحة بينما تخفض السقف أمام المعارضة السلمية بل ظلت تستخدم التضييق علي مساحات التجمع وحرية التعبير والتنظيم أدوات للحد من فاعليتها ، الأمر الذي يوضح لماذا لم تتواني الخرطوم في إعتقال ممثل قوي الإجماع الوطني الأستاذ فاروق أبوعيسي و ممثل المجتمع المدني الدكتور أمين مكي مدني وتقديمهم للمحاكمة الجنائية بعد فترة إعتقال تعسفية.
إقتراب السيد الصادق الذي يقف خلفه أحد أكبر جماهير الأحزاب السودانية قطع الطريق علي أحد التكتيكات التي كانت تمارسها الخرطوم في عزلة الحركات المسلحة عبر الإيعاز بعنصرية أجندتها ، لم تنفقد الخرطوم أملها في السيد الإمام الذي ظل يجيد المناورة السياسية لتاتي الضربة الثانية في رفضه بالإنضام الي الحوار الوطني (الوثبة ) الأمر الذي ظلت الخرطوم تعول عليه لإضعاف تحالف نداء السودان فرهنت اَمالاها علي ذلك بل بذلت ما حمل ثامبو أمبيكي الوسيط الإفريقي ليصل الخرطوم في توقيت كان مأمولاً فيه وصول السيد الصادق لكن تخلفه المبني علي حصافة سياسية راجعت اَمال الخرطوم و رفعت من سقف الحرج المهني للوسيط ثامبو أمبيكي .
علي ذات نهج الخرطوم التي ظلت تعتمد التكتيكات لإضعاف السيد الصادق و نفوذه الحزبي ظل يدفع بالمثل في التعامل ، فالخريطة السياسية تشير إلي مسارعة النظام إلي إحتواء المنشقين من الحزب و الدفع بهم إلي مناصب وزارية ، فهنالك المهندس عيد الله مسار الطبيب : الصادق الهادي المهدي ، الطبيب : أحمد بابكر نهار ، السيد مبارك الفاضل ، بل لم يتنظر السيد الصادق فدفع بإبنه الفريق عبدالرحمن الصدق المهدي مساعد لرئيس الجمهورية ، في غاية إتسمت بطبيعة حزب الأمة القومي التي تقترب من السلطة بالقدر الذي يحفظ المصالح المادية و الإجتماعية و التاريخية قد يصلح منهج التحليل الطبقي لإبرازها أكثر من التحليل السياسي شغل الفريق عبدالرحمن الصادق لمنصب مساعد الرئيس نظر إليه الحزب الحاكم عربون لإقتراب السيد الصادق من السلطة بينما يبدو أن زاوية السيد الإمام في تقديري حملها علي التدريب علي ممارسة السلطة ، ليعبر الأمر عن مغازلة تكتيكية من كلا الطرفين .
بناء علي ما سبق دعونا نتلمس سبب رفض الرئيس البشير مقابلة السيد الأمام ؟ في تقديري أن الأمر يرتبط بعد أسباب
الأمر الأول : يرتبط بسجل العلاقة بين الطرفيين قد يكشف عن ذلك ، فالتاريخ السياسي القريب يشهد علي رفض السيد الصادق علي المشاركة و منح الشرعية لعملية الحوار الوطني ، بالإضافة إلي علاقتة بقوي تحالف نداء السودان ، فهذين الموقفين حملا الخرطوم لأول مره لمخالفة منهجها في التعامل مع الخصوم المعارضين التي كانت تتوعدهم بالحسم العسكري ومنطق القوة ، فبذلت الخرطوم جهد غايته لحمل الإمام علي المشاركة و فصم عري العلاقة بينه و تحالف نداء السودان .
الأمر الثاني: في تقديري أن الرئيس البشير أراد التلويح للسيد الإمام بأن اللقاءات بين الطرفين لن يظل رهيناً برغبة السيد الصادق .
الأمر الثالث: التلويح بالسيد مبارك الفاضل كممثل لحزب الأمة في حكومة الحوار الوطني .
لا يمكن إغفال دور السيد مبارك الفاضل من معادلة العلاقة ، فمن الناحية السياسية فهو علي دراية إحترافية في التعاطي السياسي ( إتفقنا أو إختلفنا معه ) ، قبل الخوض في تفاصيل ذلك لابد من الإشارة إلي أن مشاركة السيد مبارك من السلطة تتسق وطبيعة علاقة الحزب من السلطة و بذات القدر من المعارضة ، فقد سبقه الي ذلك الفريق عبدالرحمن الصادق ، من ناحية من ناحية اخري إقتراب السيد الصادق من تحالف نداء السودان في تقديري كان بوابة الخروج للسيد مبارك ، و هو أمر لا يمكن قراءتة خارج صراعات الحزب و ثاثيره علي الساحة السياسية محمولاً علي ثقل حزب الأمة و تأثيره .بل يمكن النظر إلي علاقة السيد مبارك بالسلطة تنافسية مع الفريق عبدالرحمن الصادق حول المستقبل القيادي لحزب الأمة حيث يمكن رصد ذلك في مواقف السيد مباركعقب مشاركتة في حكومة الوفاق الوطني و لا سيما إنها كانت المشاركة الثانية مع الخرطوم تبدو سالكة أكثر من سابقتها التي كانت محاطة (بالمتاريس ) من عتاه التنفيذين أمثال النائب الأول السابق الأستاذ علي عثمان محمد طه و الدكتور نافع علي نافع و اَخرين ، أضف إلي ذلك التطورات السياسية التي أرتبطت بقضية مكاتب رئيس الجمهورية و التي عرفت شعبياً ب( قضية الفريق طه ) مهدت الطريق للسيد مبارك للإقتراب من المشهد السياسي في إيحاء بشرعية حكومة الوفاق الوطني .
السيد مبارك السياسية في خضم التنافس الذي صاحب تكوين حكومة الوفاق الوطني إقترب من وزارة الإستثمار مبتعدا عن المزاحمة حول رئاسة مجلس الوزراء التي ظلت أنظار الكثيرين تتجه نحوها بالإضافة إتقاء ما قد يحمله ذاك الموقف من صراع قد يصطدم حزب المؤتمر الشعبي عزز من موقفه برفض تشييد ميني للوزارة بمبلغ ضخم من الدولارات مفارقة لممارسات السلطة التي إرتبطت بالفساد وعدم المعقولية ، في خطوة لاحقة خطف الأضواء من وزير الخارجية السوداني منقذاً إياه من الحرج الذي أعقب تمديد العقوبات الإقتصادية الأمريكية لمدرة ثلاثة أشهر ،فإستطاع إمتصاص ردة فعل الرئيس التي تطور إلي إعلان مرسوم بوقف التفاوض مع الجانب الأمريكي ليحمل غندور علي ترديد تصريح السيد مبارك في إجتماع مجلس الوزراء في المؤتمر الصجفي لوزارة الخارجية ((فحوي التصريح دعي لتفاؤل بالتمديد كموقف قد تعقبه نتائج إجابية ).
في ظل إنشغال الإعلام و الشارع السوداني بالصراع الإعلامي بين السيد حسبو محمد عبدالرحمن نائب رئيس الجمهورية و السيد موسي هلال الزعيم العشائري و قائد مليشيات الدعم السريع علي خلفية المنشور الرئاسي رقم 419لسنة2017م فيما يتعلق بتفويض جمع السلاح باقليمي دارفور وكردفان و حصر وتقنين السيارات التي عرفت ب(البوكو حرام ) دفع بتصريح في لقاءه عبر قناه سودانية 24 في برنامج حال البلد ( في أنه لا يري مانعاً من التطبيع مع إسرائيل ، و ان الفلسطنين باعوا أراضيهم .....) في تقديري أن توقيته ودلالته هدفت إلي صرف الأنظار مما يجري في دارفور بين حسبو وهلال و التصعيد الذي بلغ مداه ، لم يات السيد مبارك بحديد فقد إستند علي علاقة غير معلنة بين الطرفين الواقع أشار الي دعم اسرائيل لجهود رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية ، أضف إلي ذلك حتي لو ظاهرياً فالعلاقة بين الخرطوم وحماس لا ينقصها سوي إعلان القطيعة ، رغم النقد الإعلامي للتصريح فقد قابله الحزب الحاكم باعتباره رأي من شركاء حكومة الوفاق الوطني في مفارقة لمسلكها مع تصريح وزير الإعلام الطبيب أحمد بلال حول قناه الجزيرة القطرية .
خلاصة الأمر لا يمكن اغفال التطورات السياسية في الحركة الشعبية قطاع الشمال و تأثر تحالف نداء السودان و التراجع الذي اعتري دور المعارضة المدنية في ظل كثافة الأحداث السياسية المرتبطة منذ مايو المنصرم ،من جانب اخر فإن الكشف عن رغبة الرئيس البشير للترشح للإنتخابات العمومية لسنة 2020 م كلها مؤشرات قد تدفع الإمام للتفكير ملياً بأن المشهد السياسي لا يحتمل ( المبادرات أو الوفاق ) فالتجارب مع الخرطوم في إحترام خصومها تمر عبر الإلتزام بمعارضتها بما تفرضة أدوات المعارضة التي يخبرها السيد الأمام بتجربته الكبيرة و سنده الواسع ، ليبقي السؤال هل قررت الخرطوم المفاضلة بين السيدين الصادق المهدي و مبارك الفاضل ) ؟

جمع للسلاح أم تتبع (لظل ) الفريق طه في دارفور

نشر بتاريخ: 18 اغسطس 2017

  • بقلم :محمد بدوي
    تصدرت الأخبار السياسية في الأسبوع المنصرم إعلان نائب رئيس الجمهورية الأستاذ حسبو محمد عبدالرحمن عن عزم الحكومة علي جمع السلاح بإقليم دارفو ر، قبل الخوض في الخبر ومضمونه لابد من الإشارة إلي أن إختيار ولاية شمال دارفور لإطلاق ذاك التصريح في تقديري ذات دلالة سياسية هامة فهي أولي مدن دارفور التي شهدت التدشين العسكري للصراع المسلح بين الحركات المسلحة والحكومة السودانية وحلفائها (2003-2004 م )، ضمت القاعدة الرئيسية الأولي لعملية تجنيد المليشيات بمقر الإستخبارات العسكرية التابعة للفرقة السادسة مشاه – بالقوات المسلحة السودانية في العام 2002م ( مليشيات فيالق الجمال ) أو التائبين، في العام 2003م و تحت إشراف الإستخبارات العسكرية شهدت إنشاء قاعدة ( مستريحه) العسكرية التي شكلت المقر الأول لعمليات تجنيد مليشيات (الجنجويد) بقيادة الزعيم العشائري موسي هلال عبدالله، و مقر لبعثة مراقبة وقف إطلاق النار في العام 2004م والتي تطور في العام 2007م إلي مقر لرئاسة بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة و الإتحاد الأفريقي (اليونامد )، بها حقل منجم جبل عامر الغني بالذهب، تضم حدودها الجغرافية بوابة المالحة التي تعبر عبرها السيارات القادمة من ليبيا التي اشتهرت علي نطاق شعبي واسع (بالبوكو حرام) و تُعتبر المالحة معبراً خارج خارطة محطات الجمارك السودانية الرسمية، كما تضم حقل مربع 12 النفطي، بالإضافة إلي أنها تاريخياً شكلت مقر لعاصمة لسلطنة الفور ولإقليم دارفور قبل أن يطاله التقسيم في العام 1994م إلي ثلاث ولايات لاحقاً إلي خمسة ولايات في 2013م.
    (2)
    طريقة الإعلان عن حملة جمع السلاح من قبل نائب الرئيس تُثير الإستغراب في كون أنها من الناحية الفنية تتطلب خطة متكاملة وواضحة تنتهي بإعادة تأهيل المستهدفين من حملة السلاح ومعالجة الأسباب التي قادت إلي ذلك، بالنظر إلي سجل علاقة التسليح خارج نطاق القوات النظامية بالإقليم فقد تعاقبت ثلاث حكومات مركزية في ذلك بداً مليشيات المراحيل في العهد الإنتقالي 1985، 1988 التجمع العربي ثم 1991 مليشيات الفرسان التي أستخدمت لمواجهت الحملة العسكرية للحركة الشعبية لتحرير السودان و التي عُرفت شعبياً ب( حملة بولاد)، ثم مليشات (التائبين ) في 2002م، ثم المليشيات المتحالفة تاريخياً مع الحكومة (الدفاع الشعبي، مليشيات القبائل، قوات حرس الحدود، الدعم السريع، وبعض مجموعات الإحتياطي المركزي الشرطية و التي تم تسلحيها في فترات مختلفة بين 2003 الي الراهن .
    من جانبٍ اَخر فهنالك مجموعات تحمل السلاح من الحركات المسلحة سواء تلك التي وصلت إلي صيغ تسويةٍ سياسية مع الحكومة المركزية أو الولائية عبر أتفاقية أبوجا 2006 ، ثم وثيقة الدوحة التي وُقعت في 2011 و لا تزال بعض المجموعات الصغيرة تنضم إليها من وقتٍ لآخر، بالإضافة إلي الحركات المسلحة الرئيسية أو تلك المنقسمة منها والتي بلغت في مجملها 75 فصيل مسلح وهي خارج نطاق سيطرة وسلطة الحكومة .
    من ناحية أخري لم يعد خافياً علي أحد السلاح المتداول في الصراعات القبلية بالأقليم لا سيما الصراع المتجدد بين المعاليا و الرزيقات منذ العام 2002 وإلي اليوم الراهن، علي ضوء ما أشرنا إليه، فالمهم من الناحية الأمنية علي الحكومة الكشف عن هل هنالك أسواق للسلاح في دارفور؟ و من المسئول عنها لأن ما يترتب علي الاجابة يكمن فيه جدوي عملية نزع السلاح من عدمه !

    (3)
    لتتبع دلالات التوقيت في تقديري عملية جمع السلاح ترتبط بعدة دوائر، تُعبر في مجملها عن مصلحة النظام الحاكم أكثر من حرص حكومي علي حالة الأمن بالإقليم، لنُدلل علي ذلك نذكر رفض السودان في العام 2004 قراراً أممي بنزع أسلحة المليشيات، إذاً المغزي في تقديري ذا إرتباط وثيق بما عرف ب( قضية الفريق طه عثمان) المدير السابق لمكاتب رئيس الجمهورية فبالنظر إلي خلفية تكوين المليشيات الرئيسة يمكن إرجاعها إلي نواتها الأولي ( التائبين في العام 2002م تطورت إلي مليشيات الجنجويد في 2003 ) في العام 2004م تم إلحاقها بالقوات المسلحة السودانية تحت مسمي قوات إستخبارات الحدود، في العام 2005م تم تغير تسميتها إلي قوات حرس الحدود، في ذات العام شملها منشور رئاسي بالحصانة من الملاحقة القضائية أسوةً بأفراد القوات المسلحة السودانية، في العام 2014 وفي ظل صعود و هبوط العلاقة بين موسى هلال والخرطوم تم تغيير مسمي قوات حرس الحدود تحت قيادة محمد حمدان دلقو"حميدتي" إلي قوات الدعم السريع وسحبها من مظلة القوات المسلحة إلي جهاز الأمن والمخابرات الوطني، في العام 2017م تمكن الفريق طه عثمان في ظل نفوذه من سحبها من سيطرة جهاز الأمن وتتبيعها إلي القوات المسلحة وحمل البرلمان علي إجازة قانون خاص بها لتأتي تلك الخطوة في ظل إشرافه علي ملف المقاتلين السودانيين في حرب الخليج، إقالة طه كشفت عن علاقته بحميدتي وأشارت إلي طموح الرجل السياسي الذي ظل خافياً، فتم إجلاء قوات الدعم السريع من العاصمة إلي ولاية جنوب دارفور، و تأمين العاصمة ب18000 شرطي خلال عطلة عيدالفطر في خطوةٍ غير مسبوقة .
    (4)
    نزع سلاح المليشيات يجب أن تسبقه قرارات واضحة توضح هل تم حل المليشيات؟ إذا كانت الإجابة نعم فإن هنالك ترتيبات إدارية وفنيه يجب اتخاذها في ذات الشأن فالمجموعات الرئيسية من هذه المليشيات ( حرس الحدود، الدعم السريع ) يحميها قانون القوات المسلحة السوداني لعام 2007م وكذلك الدفاع الشعبي يُعد قانون يحكمها من الناحية الإجرائية، العرض العسكري الذي قامت به قوات الجو العسكرية السودانية قرب قاعده مليشيات مستريحة جاءت كرد فعلٍ بعد أن بادر هلال إلي طابور عرضٍ وحشدٍ بمستريحة في رسالة سياسية كأنه المعني بالأمر ، لكن يجب ألا ننسي أن ذاك العرض يُعيد لضحايا أزمة دارفور التي أستهدفهم ذات سلاج الجو (الصدمة) بعد أن بلغوا مرحلة التعافي .
    في تطور مرتبط بالأحداث بادر (حميدتي) بإعلان رغبة قوات الدعم السريع بتسليم أسلحتها، لعمري إنه تصريح يكشف عن تفكك الدولة السودانية، فهذا الأمر من المفترض أن يُبادر به وزير الدفاع الذي يرأس حميدتي من الناحية العسكرية، وهو ما يُكذِّبه الواقع، ففي 14 اغسطس الجاري سيطرت مليشيات الدعم السريع علي مواقع بعثة اليونامد التي تم إغلاقها و في 15 اغسطس سيطرت علي الموقع الثاني بمدينة مليط ومعلوم أنه لا يجوز إستخدام المواقع و معدات الأمم المتحدة من قبل قوات عسكرية من الدولة المضيفة وذلك خرق للإتفاق بين حكومة السودان والأمم المتحدة وقد يكون للأمر ما بعده، لكن يبدو أن تحت الرماد وميض نار لأنه في ذات التوقيت رشح ما كشف عن أن الحكومة قد تُعيد النظر في أمر نزع السلاح إذا قبل هلال بوضع القوات التي تحت سيطرته تحت مظلة الدعم السريع! الأمر الذي يُشير إلي تخبط الحكومة في التخلص من المليشيات بعد أن إرتفع الطموح السياسي إلي أعلي سقفٍ له مسنوداً بثروات إقتصادية من عائدات الذهب بالإقليم، إذاً إزاء هذا المشهد هل تنجح الحكومة في دفع قاده المليشيات إلي صدام ينجم عنه توازن قوة يصب في تغليب الدفة لصالح الحكومة؟ بالطبع لا لأنه قبل 15 عاماً من إستخدام المليشيات في القتال إلي جانب الحكومة كانت قد وعدتهم بالسيطرة علي الأرض لكنهم اليوم وضعوا يدهم علي الأرض وما في باطنها .
    لتظل تداعيات الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة بإعلان نزع السلاح لها ما بعدها، فالذي يجعل حميدتي ينضم إلي جانب الحكومة ذات الذي يجعله يفكر في التحالف مع هلال بل ربما اكثر إرتباطاً إذا نظرنا للروابط الإثنية التي توطدت نتيجة لسياسات الحكومة علي مدي ال28 عاماً الماضية .
    (5)
    كل الموشرات تشير إلي أن الحكومة تتخذ من جمع السلاح ذريعةً للسيطرة علي الموارد فهو سيناريو تأخر منذ العام 2015م، لكن طريقة إستخدام القوه و التهديد و تصريحات ( حفظ هيبة الدولة ) قد تخلق واقعاً أسوأ علي الأرض إذا ما بدأ تنفيذ ذلك بقوة السلاح (الصدام المسلح) لأنه يعني إشراف إقليم دارفور علي الحرب الثانية، أطرافها الحكومة و المليشيات من المجموعة الرعوية بعد كانت الحرب الأولي (2003 -2017) بين الحكومة والحركات المسلحة الذين إنحدر غالبهم من المجموعة الزراعية، لكن هذه المرة قد تتسع الكارثة لتشمل دول الجوار فقد رسخَّت فكرة المليشيات لمفهوم (التضامن بين المجموعات الإثنية داخل السودان و من دول الجوار) ليشهد الواقع مقاتلين من تشاد و النيجر.
    السيناريو الآخر أن تتحالف هذه المليشيات أو علي الأقل التي تحت سيطرة هلال مع بعض الحركات المسلحة حيث الواقع يُشير إلي علاقات جيدة بينه وبين بعض فصائلها منذ وقت طويل، فحينها من الراجح أن يتسع التحالف بإنضمام ( حميدتي) و قوات الدعم السريع فقد خاض تجربة مماثلة في العالم 2007م مع الحركة الثورية السودانية قبل عودته إلي التحالف الحكومي مرةً أخري .
    الخلاصة بأن الحكومة تتعامل مع الواقع في الإقليم تكتيكياً متناسيةً أن لغة المصالح أصبح صداها هو الأعلي فلم يتوان كل من هلال وحميدتي عن تكذيب تصريح وزير الداخلية السابق الفريق عصمت عبدالرحمن بوجدود 3000 أجنبي بينقبون عت الذهب بجبل عامر بل إنتهي الأمر بإقاله عصمت من منصبه وترقية حميدتي إلي رتبة الفريق .
    (6)
    إذا حاولت الحكومة التعامل مع المليشيات بذات عقلية تجنيدها في2003 م لهلال و 2006 لحمدتي فقد ترتكب أخطاء كبيرة، فالواقع لا يخلو من تحالفات غير معلنة سواء داخلياً أو خارجياً علي ذات نسق حركة خروج الذهب من جبل عامر مروراً بتشاد ثم إلي أسواق دبي بالأمارات أو إلي منطقة جبال التبستي السوق الذي يؤمه متعاملون من دول ( تشاد، النيجر، بنين)، كما أن ( قضية الفريق طه) كشفت أنه رغم القبضة الأمنية و الإستخبارتية للحكومة داخلياً إلا أن هنالك الكثير من الملفات التي تسربت خارجياً أضف إلي أن تصريح وزير الإعلام السوداني الدكتور أحمد بلال في القاهرة حول قناة الجزيرة رغم إعتذاره عنها تُشير هي الأخري إلي أن إدارة العلاقات الخارجية تتم كجزرٍ معزولة، ربما ظل التأثير من آثارها خافياً إلا الحالات التي وجدت طريقها صدفةً للإعلام، علي ذات النسق فقد مضي الأمر دون تحليل فيما يخص مؤتمرات أم جرس التي رعاها الرئيس التشادي إدريس دبي في 2014م لإقناع الحركات المسلحة بالسلام و قد حضرها موسي هلال وسهَّل إنعقادها وزير العدل السابق محمد بشارة دوسة وليس وزير الخارجية في ذات الوقت .

    (7)
    جمع السلاح ليس عملية سياسية بقدر ماهي عملية فنية لها أدواتها وطرقها، فقد سبق وأن قام العقيد آنذاك الطيب إبراهيم محمد خير ( سيخة) في العام 1991م بعمليةٍ سياسية لجمع السلاح إستهدفت بعض المجموعات بمنطقة جبل مره، في تقديري يعد هذا أحد الأسباب التي سارعت بتحقق الشرط الذاتي لتدشين نشاط الحركات المسلحة بإقليم دارفور بل في تجارب مشابهة لدولة جنوب السودان فقد تم جمع 6000 ألف قطعة سلاح في العام 2011م من منطقة جونقلي حين ثار الصراع الإثني بين النوير واللاونوير لتكتشف السلطات في العام 2012م أن هنالك 6012 قطعة سلاح جديدة وجدت طريقها إلي أيادي المدنيين، فمثل هذه الحملات تتم بشكلٍ عام وليس إنتقائي ويجب الإعلان والكشف عن عمليات إعادة التأهيل وجبر الضرر للذين تأثرت حيواتهم بذلك، و طالما أن الإستهداف سيطال المليشيات التي تم تسكينها بالقوات النظامية ومنحها حصانات من المحاسبة وفقاً للمراسيم الدستورية التي صدرت في العام 2005م فإن مهمة جمع السلاح تخضع لتفويض وزارة الدفاع والداخلية معاً وليس لرئاسة الجمهورية فالخطب السياسية ستظل تُشير إلي الأهداف غير المعلنة وبالطبع ستقود إلي نتائج كارثية فلا زال التاريخ القريب يذكر كيف بدأت الحرب الثانية بين الحركة الشعبية لتحرير السودان –قطاع الشمال والخرطوم حينما صرحت الأخيرة بعملية تجريد الجيش الشعبي من سلاحه، فلعمري إنه ذات الخطاب السياسي الذي أشعل ما يدور الآن، تكاثر أطراف الصراع في دارفور ليس من مصلحة أحد بل سيُعقد من الأزمة التي تسعي الحكومة لإحتوائها سياسياً وحمل المجتمع الدولي علي التصديق بأن الإقليم آمن، الركون لمنطق القوة ليس سوي (درب وعر) خبرته الحكومة ولا تزال تتعنت في السير فيه فقد يفضي الأمر إلي أن ينتهي بتمديد تفويض اليونامد لحماية المدنيين في كل أصقاع دارفور!.

الجمعة، 4 مايو 2018

تطورات جمع السلاح ، سيارات البوكو حرام و إقتصاد النزاعات المسلحة

نشر بتاريخ :29 اغسطس 2017



بقلم :محمد بدوي
في المقال السابق حاولت تتبع وتحليل حملة جمع السلاح في ولايات دارفور و كردفان التي أعلن عنها نائب الرئيس السوداني الأستاذ حسبو محمد عبدالرحمن، تناولت الوضع في ولايات دارفور لكونها بحكم الواقع مثلت الحاضنة الرئيسية للمليشيات في السودان، دون إغفال لوجودها تحت المسمي الدعم السريع بولاية بجنوب كردفان و في مرحلة متقدمة بولايات شرق السودان في تطور لوجودها السابق تحت مسميات أخري منذ العام 1994م ، في هذا المقال سأعكف علي تتبع تطورات جمع السلاح في دارفور بالإضافة الى تناول الجزء الثاني من ذات المرسوم الدستوري الذي حمل الرقم 419 لسنة 2007م الصادر من رئيس الجمهورية و الخاص( بحصر ومعالجة أوضاع العربات غير المقننة و التي دخلت البلاد عبر دول الجوار ) يجب أن نشير إلي أن هذه السيارات التي أشار إليها المنشور ب(العربات ) والتي عرفت علي نطاق واسع شعبياً ب( البوكو حرام ) و عبرت الحدود السودانية من ليبيا تحت إشراف السلطات السودانية كما سيعكف المقال علي تناول توجيهات النائب العام السوداني بإنشاء نيابة معلوماتية بولاية جنوب دارفور و علاقة ذلك بالحد من دور وسائل التواصل الإجتماعي فيما يرتبط ببنود المرسوم الرئاسي ، لكن قبل الخوض في ذلك لابد من الإشارة إلي هدف المقال هو مواصلة لما سبق من مساهمات متواضعة لتحليل للأحداث و دور الأطراف المختلفة بعيداً عن الهتافية بإفتراض تحليلي ليس (تقريري) و السيناريوهات المحتملة في ظل تقاطعات المصالح السياسية و ما قد ينجم عنها من واقع علي الأرض قد تقود إلي الحد من مساحات العيش الاَمن ليس في إقليم دارفور فقط بل في كل السودان الذي يعاني من أزمات إقتصادية و وضع سياسي سياسي أكثر تعقيداً نتاج لغياب الحكم الراشد .
(1)
المتتبع للتطورات السياسية بعد الإعلان عن المرسوم الدستوري المرتبط بجمع السلاح و أوضاع السيارات التي عبرت إلي الحدود السودانية ، يمكن رصد تصريحات من طرفي الصراع نائب رئيس الجمهورية الأستاذ حسبو محمد عبدالله و الزعيم العشائري و قائد مليشيا (حرس الحدود) موسي هلال عبدالله يمكن وصفها بالسجال اللغوي الذي لامس ما قاربه من الصراعات الشخصية وكشف عن تعدد مراكز القوه العسكرية داخل الدولة ، أشرنا في المقال السابق إلي أن عملية جمع السلاح فنية في طبيعتها و تفويضها ، لكن رغم ذلك جانب المرسوم الرئاسي ففي الظروف السلمية يتم أنشاء مفوضية متخصصة لنزع السلاح ، أما في حالة عدم الإستقرار يصبح الأمر أكثر تعقيداً لا يمكن أن يتم إسناده إلي لجنة ضمن عضويتها قائد الدعم السريع !تطورات الأوضاع خلال الاسبوع الثالث من أغسطس 2017م تمثلت في تصريح نائب الرئيس (حسبو) الذي إتهم فيها (هلال) بالترتيب لإرسال ( 1000 ) مقاتل من أفراد مليشيا (حرس الحدود) إلي ليبيا للقتال إلي جانب جماعة خليفة حفتر و حليفه سيف الإسلام القذافي الذان سيطران مؤخراً علي مساحات واسعة من ليبيا كانت تحت قبضة تنظيم الدولة الإسلامية ، فرع ليبيا ، كشف التصريح عن غياب منهج إدارة الأزمات ، فبحكم الواقع فالحكومة هي التي أنشات قاعدة (مستريحه) العسكرية وسلحتها، إذن إتهام ( هلال ) بالإرتزاق تسأل عنه الحكومة بصورة أساسية
تطورات الأحداث علي الأرض تشير إلي أن ما بدأ جمعه من قطع السلاح رمزي بادر بها بعض المدنيين و أغلبهم من حملة الأسلحة المرخصة ، في تقديري أن سوء إدارة الحملة ستقود إلي نتائج عكسية قد تزيد من نسبة السلاح بالإقليم كماً ونوعاً محمولاً علي ( التعبئة ) التي شهدتها قاعدة مستريحة العسكرية ، ضعف إدارة الحملة تبدو في غياب الإعلان عن الإهداف و الدعوة لتعاون الجمهور وإبراز حرص الحكومة علي حالة الأمن ، اضف إلي ذلك أن معسكرات النزوح المنتشرة بإقليم دارفور أحد مظاهر الصراع المسلح الذي أندلع في 2003م بالتالي فإن عملية جمع السلاح ستتحقق بشكل إتفاقي أو تلقائي بعد حل الأزمة ، في الحالات الإستثنائية التي تتدهور فيها الحالة الأمنية نتيجة لإنتشار السلاح وتكون الدول طرفاً في النزاعات فمنح تفويض جمع السلاح للأمم المتحدة قد يكون أمر موضوعي و ذي جدوي .
(2)
تجارب جمع السلاح و دمج القوات العسكرية و تحويل المليشيات إلي قوات نظامية منضبطة، لا يمكن التعامل معه سياسياً بقدر ما هي عملية علمية لها شروطها ، فبالنظر إلي التجربة التشادية و التي ما أن وصلت إلي تفاهمات سياسية مع الخرطوم في العام 2010م عملت إلي إعادة ترتيب جيشها بما مكنها من المشاركة عسكرياً في دولة مالي ضد تنظيم الدولة الإسلامية التي خرجت منها أكثر ثقة في قدراتها العسكرية كما شاركت أيضاً عسكرياً في إفريقيا الوسطي ثم وظفت المجموعات التي شاركت في صراع دارفور لتكوين قوة شرطية قوامها في 2016 م (2000) شرطي أوكل إليها تفويض مكافحة جماعة (البوكو حرام ) هذا الإنجاز لم يتم بمراسيم دستورية بل بخطط إستراتجية ساهمت في الإستقرار السياسي الأمر الذي رفع من سقف طموحها للتخطيط للعب دور مؤثر و حجز وضع متقدم داخل أروقة الإتحاد الإفريقي، والتخطيط لتصدير بترولها عبر ميناء بورتسودان الأمر الذي يتحقق بأن تنشئ تشاد خط أنانبيب يمر عبر مدن (الطينة السودانية ، كتم ، الفاشر ثم الأُيض ) ليتم ربطها من تلك النقطة (الابيض) بالخط السوداني الذي ينتهي في ميناء بورتسودان ، بالطبع ذلك أقل تكلفة من خط الأنابيب عبر دولة الكميرون .
(3)
التصريحات التي أطلقها (هلال) عبر وسائل التواصل الإجتماعي كمحطة بث إعلامية مجانية كشفت عن إنعدام المساحة الفاصلة بين الدولة والحزب الحاكم و المليشيات ، و تشبكات مصالح مرتبطة بالموارد الجديدة مثل الذهب ، حصر ومعالجة أوضاع السيارات التي أشار إليها المرسوم عرفت شعبياً (بالبوكو حرام) عبرت الحدود السودانية من ليبيا و مصدرها مقايضة النفط الليبي عبر الموانئ من قبل الجماعات الإسلامية في المناطق التي تحت سيطرتها حيث يحصل عليه المضاربون من تلك الموانئ ليتم ترحيلها إلي السودان لبيعها، و تعتبر إجراءات عبور و جمارك سيارات البوكو حرام مخالفةً لقانون الجمارك خاصة المادة 118 من قانون الجمارك السوداني الذي يوضح كيفية إستيراد البضائع براً والتي توجب أخذ المستوردة براً مباشرة إلى أقرب محطة جمركية إبتداءاً وهو الامر الذي لم ينطبق عليها بعبور ما يقارب ال90% عبر الحدود إلي محلية المالحة ، أضف إلي ذلك ان الروافع والشاحنات التي حملتها تعتبر مخالفة للقانون لعبورها الحدود السودانية دون مسوغ و ليس عبر البوابات الجمركية الرسمية ، وهنا تنطبق عليها مخالفة المواد 198 و 190 الفقرة (ز) من قانون الجمارك التي تنص علي جواز مصاردتها.
(4)
يثور سؤال لماذا سمح بدخول تلك السيارات للسودان و عن طريق معبر المالحة (ليست محطة جمركية وفقا لخارطة محطات الجمارك السودانية)؟ الإجابة أنه في ظل الضائقة الاقتصادية شكلت مصدر عائد إقتصادي للحكومة السودانية ، دون إكتراث لمصدرها و لإنعكاس ذلك علي الحالة الأمنية في ليبيا ، السؤال الثاني لماذا شمل المرسوم تلك السيارات ؟ الإجابة أن إزدياد أعدادها و لا سيما ذات الدفع الرباعي نظرت إليه الحكومة كأحد الوسائل العسكرية المستخدمة في الصراعات المسلحة من جانب ، من جانب اخر التغيرات في المسرح الليبي بإنتقال السيطرة بشكل واسع من الجماعات الإسلامية الي مجموعة خليفة حفتر و حليفه سيف الاسلام القذافي صار مهدد للحكومة السودانية الأمر الذي يكشف سبب إغلاق المعابر التي كشسف عنها (حسبو) ، أخيراً تجدر الأشارة إلي أن الجانب الليبي ممثلاً في حفتر وجه في يوليو بمنع عبور السيارات الي الجانب السوداني. المكاسب المالية التي تم حققتها الحكومة السودانية كرسوم جمركية وغيرها قد تعيق الجهود التي ظلت تبذلها منذ العام 2001م للإيفاء بشروط صندوق النقد الدولي لأنها تمثل مورد مرتبط بالنزاعات المسلحة ، من جانب اخر في اثر سالب علي مجمل الإقتصاد السوداني حيث مخالفة قواعد قانون الجمارك التي تنص علي ضوابط سنة الصنع في الإستيراد ترتبط بحماية البيئة ، من ناحية إقتصادية السيارات المستعملة ذات عمر قصير مما سيعجل بأزمة قطع الغيار في المستقبل القريب و التي قد تكلف أضعاف قيمة ما تم أنفاقه بالإضافة إلي أن الواقع السوداني تضيق فيه مساحة الطرق المعبدة مما سيزيد من تكلفة تشغيلها المرتبطة بالصيانة ، أضف إلي ذلك أن العديد من دول الجوار تسعي للتحول إلي نظم خدمية تقل فيها التكلفة ، فعلي سبيل المثال عملت إثوبيا علي إنشاء شبكة قطارات داخلية و أخري تربط بينها وبين دولة جيبوتي ، دولة كينيا إنتهت من تأهيل قطار سريع يربط بين ميناء ممبسا و العاصمة نيروبي بالطبع سيكون لذلك إنعكاسه الإقتصادي في الحركة بين ميناء ممبسا و الدول التي تعتمد عليه كجنوب السودان ، يوغندا و الكنغو و رواندا ، بل سيكون له تاثيره المباشر في المستقبل القريب علي علاقة ميناء بورتسودان بدولة جنوب السودان و كذلك بإفريقيا الوسطي .
(5)
يصعب تقدير ما حصلت عليه الحكومة من عائدات السيارات البوكو حرام لكن يمكن تتبع ذلك من خلال رصد فئات الرسوم المختلفة التي فرضت بشكل قانوني أو مخالف ، حيث بلغت الرسوم الجمركية ( 160.000 )جنية سوداني للسيارة ماركة تايوتا هايلوكس موديل 2014 ، سيارات اللاندكروز بلغت قيمة جماركها (280.000) جنية سوداني، فيما بلغت جمارك السيارات كورية الصنع من ماركة أتوز( 22.000) جنية سوداني ، فرضت الولايات المعنية رسوم ضربيبة و أخري إدارية للمحليات الإدارية تراوحت بين (9.000) إلي (13.000) جنية سوداني حسب موديل و قيمة جماركها ، في ظل هذه المعادلة منحت الحكومة السودانية وضعا للحركات الموقعة للإستفادة من المضاربة في سوق السيارات و الدفع بها مجموعة إقتصادية جديدة في تواز مع المليشيات التي تسيطر علي عائدات الذهب ، ما حمله المرسوم من توفيق لأوضاع السيارات غير المقننه في تقديري قد تعقبه غرامات كمصدر إضافي للموارد للمساهمة في حل ضائقة الحكومة و لا سيما أن عدد السيارات المستهدفة بلغت (6000) سيارة .
( 6)
المواجهة العسكرية التي تتعدد سيناريوتها نتاج طريقة ادارة الازمة و التي من المستبعد كما اشرنا ان تصبح مليشيات الدعم السريع قيادة حميدتي طرفا فيه لكن قد تاخذ مسارا اخراً بان يتم الدفع بالحركات المنشقة من حركة تحرير السودان جناح مني مناوي بقيادة (محمدين أسماعيل بشر ، عبدالله التجاني (شغب )،اَدم صالح ابكر ، إبراهيم الفكي ، أبكر (فلنكا) لمواجهة هلال لماذا ؟ الاحداث المسلحة بين قوات مني مناوي و المليشيات الحكومية في 20 مايو 2017م يبدو ان الحكومة لاحظت الاختلاف في الكفاءة القتالية بين هذه القوات المنشقة من مناوي و قوات الدعم السريع التي تحت فصيل حميدتي التي قادت المواجهة الاولي فخسرت ما يقارب 137 بين قتيل وجريح بينما اسفر تدخل القوات المنشقة من حركة تحرير السودان جناح مني مني مناوي في اليوم التاني عن مقتل و اسر ما يقارب 160 من قوات حركة تحرير السودان و المجلس الإنتقالي لحركة تحرير السودان ، الي جانب ان هذه القوات قد تدربت تدريب عال حتي علي سلاح المدفعية بينما ظلت الحكومة تحجب ذلك عن المليشيات من 2003 م ،الامر الثاني ان الحكومة اكتشفت ان تلك القوات اكثر اضباطا في اجراءات الدمج حيث تم تسكينها جميعاً تحت مظلة القوات المسلحة بما في ذلك المجموعات التي تم وضعها تحت إشراف قوات الإحتياطي المركزي الشرطية ، اضافة الي انها اثبتت انها فكت ارتباطها بحركة تحرير السودان جناح مناوي و اظهرت غبنا لا مثيل له تجاه رفقا الامس و هو ما يعتري علاقة هذه القوات و قوات هلال ، بالإضافة إلي أن الفصائل علي دراية علم بالدروب و المخابي التي تمثل ملاذات تاريخية للحركات المسلحة و الطر ق المودية الي دول الجوار سواء عسكريا او تلك التي تستخدم في تهريب الأسلحة .
(7)
.رافق مساعد الرئيس (حسبو ) في جولته التي استهدفت تنفيذ الموسوم الرئاسي النائب العام عمر أحمد محمد و الذي وجه بانشاء نيابة معلوماتية بولاية جنوب دارفور لمواجهة الحملات السالبة التي تحرض ضد تنفيذ المرسوم الرئاسي ، في خطوة تالية سارعت ولاية وسط غرب دارفور تكوين لجنة فنية لرصد تلك الحملات في المواقع الالكترونية ، الصحف و وسائط التواصل الاجتماعي في ذات السياق ورفعها للاجهزة المختصة للتحليل و المتابعة .
إستخدام القانون لأغراض التجريم السياسي سيكون له ما بعده من اثار سالبة تراكم من إنتهاك حرية التعبير و لاحقاً مجافاه معايير المحاكمات غير العادلة فبدلاً من النظر إلي هذه الوسائط بريبة و دور سالب أليس الأجدر التخطيط لإستخدامها بشكل إيجابي في حملات التوعية بالحملات المختلفة .
أخيراً تغير خارطة التحالفات باقليم دارفور محمولة علي السباق حول الموارد الجديدة الذهب ، سيارات البوكو حرام ، تهريب الصمغ العربي عبر الحدود ، لا استثني من ذلك التعامل في العاج له قاموسه و تجار حربه فبالرغم من تصدر هلال و حسبو للمشهد لكن تصاعد قد يكشف الكثير من المفاجاَت .

عبدالكريم "أبوسروال" : وداعك علي خاطر الإنتظار (5-5)

أبوذكيه الذي بدا حياته بالنقل البحري لينتهي به الحال تاجرا بالكنغو تتردد سيرته كثيرا، سالته يا عبدالكريم قالوا كنت من السواقين بين الكنغ...